حين أعلنت «واشنطن بوست» عن أوسع عملية إعادة هيكلة في تاريخها الحديث، لم يكن الخبر مجرد أرقام تشطب من ميزانية. كان أشبه بإطفاء بطيء لمصباح ظل لعقود يضيء زوايا العالم من شرفة العاصمة الأمريكية. مراسلون أبعدوا، مكاتب أغلقت، والتغطية الدولية انكمشت، وكان للشرق الأوسط نصيب الأسد من التقليص.
ظاهرياً، قيل إن المال هو السبب، لكن «البوست» ليست صحيفة عابرة في كشك الأخبار، إنها امتداد ناعم لمؤسسة القرار، ومرآة تعكس ما تريد واشنطن أن تراه.. وما قررت أن تغمض عينيها عنه. وما يُطفأ في غرف الأخبار غالباً ما يكون قد فصل عنه التيار أولاً في غرف الاستراتيجيات.
من هنا، يصبح السؤال حتمياً لا ترفاً: هل يعكس هذا الانسحاب الإعلامي تراجعاً أعمق في موقع الشرق الأوسط داخل العقل الأمني الأمريكي؟
الإجابة، نعم. وقد جاءت متممة لما جاء في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي نُشرت مؤخراً، والتي أظهرت بوضوح تراجع موقع الشرق الأوسط في سلم الأولويات؟
فالشرق الأوسط، في العقل الاستراتيجي الأمريكي الجديد، لم يعد عقدة العالم. لم يعد مركز الدوران الذي تقاس عليه حرارة النظام الدولي.
ولنفهم التحول لا بد من العودة إلى الوراء، فبعد أحداث 11 سبتمبر أعادت واشنطن تعريف الشرق الأوسط بوصفه بؤرة الإرهاب الكونية. لم تكن المنطقة جغرافيا فحسب، بل تهديداً أيديولوجياً متحركاً. صنعت حولها مدارس بحث ومراكز دراسات وجيوشاً من الصحفيين والخبراء، كلهم يدورون حول أسئلة واحدة: الإسلام السياسي، الصراع العربي-الإسرائيلي، التحول الديمقراطي، وإعادة هندسة المجتمعات.
لكن هذه المدرسة، بكل ما أنفقته من دماء وأموال وأوهام، وصلت إلى حائط مسدود. لم تنتج ديمقراطيات مستقرة، ولا شرق أوسط مُعاداً تشكيله، بل خلفت فوضى أكثر تعقيداً من تلك التي سبقتها.
اليوم، تغير المشهد. واشنطن لا تنظر إلى المنطقة كقضية أيديولوجية بل كملف إدارة. لم تعد تسأل: ماذا نريد أن نغير بل: ما الحد الأدنى الذي يمنع الانفجار؟ الشرق الأوسط، في العقل البيروقراطي الأمريكي الجديد، لم يعد فضاء سياسياً، بل بنية تحتية حساسة: ممرات طاقة، خطوط تجارة، نقاط اختناق بحرية، ومخاطر يجب احتواؤها لا حلها.
هنا، لم تختفِ المعرفة، لكن نزعت عنها الصفة الميدانية. انفصلت عن الشارع، واستقرت خلف الشاشات. الصحفي لم يعد شاهداً على الأرض، بل قارئ خرائط رقمية. الخبرة لم تعد تُقاس بالمعايشة، بل بسرعة التحليل. أدوات صُممت لعالم انتهى، تُركت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
