التدقيق في كلمات «خطاب النصر» الذي ألقاه الرئيس الأمريكي هاري ترومان في مايو 1945 بمناسبة استسلام ألمانيا كان يقول شيئاً واحداً هو أن «الغرب» الذي يضم بصفة رئيسية أوروبا والولايات المتحدة وكندا يشكل كتلة «قيمية وسياسية وعسكرية واحدة ومتماسكة» لا يمكن أن تتفكك أو تتضعضع في يوم من الأيام، وتأسس بناء على ذلك ما يسمى بالنظام القائم على القواعد السياسية والعسكرية والاقتصادية التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية، وما زالت تحكم عالمنا حتى اليوم، وظلت الدول الغربية تعمل بها طوال نحو 80 عاماً، ونجح «الغرب» في أكثر من اختبار خلال عقود من الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي السابق، وزاد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، وقبل ذلك انهيار جدار برلين عام 1989 من القناعات التي تقول بأن «الغرب» لا يمكن أن يتفكك.
لكن ما جرى منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2025 بات يطرح أسئلة جدية حول «الفجوات العميقة» بين الدول الغربية وبعضها البعض، فالخلافات بين الدول الأوروبية لا تنتهي، والخلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا تستطيع الكتب أن تستوعبها، ناهيك عن المشاحنات بين الولايات المتحدة وكندا، والخلافات بين الرئيس ترامب ودول حلف شمال الأطلسي «الناتو»، فمن كان يتخيل أن ترفض بريطانيا طلباً عسكرياً للولايات المتحدة في خضم معركتها الكبرى مع إيران، وذلك عندما رفض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر طلب الجيش الأمريكي استخدام قاعدة دييجو جارسيا في المحيط الهندي لقصف إيران في الضربة التمهيدية يوم 28 فبراير الماضي قبل أن يتراجع ويوافق بشروط وقد عبر الرئيس ترامب عن استيائه بشأنها، فهل فعلاً نحن أمام «تفكك الغرب» لصالح تجمعات ومحاور وتحالفات أخرى مثل البريكس ومنظمة شنغهاي؟ وهل يمكن للصين أن تحل محل الولايات المتحدة في أوروبا؟ وإلى أي مدى يستطيع الغرب أن يتجاوز المحن والتحديات الحالية، ويجدد ذاته كما نجح منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟
شواهد دائماً ما كان هناك خلافات غربية خلال العقود الماضية مثل خروج فرنسا من حلف دول شمال الأطلسي «الناتو» عام 1966 في عهد الجنرال شارل ديجول قبل أن تعود باريس للحلف الأطلسي عام 2009، كما أن المملكة المتحدة ظلت مترددة في الدخول إلى الاتحاد الأوروبي حتى عام 1973، وعادت وخرجت منه بالكامل عام 2020، لكن رغم كل هذه الخلافات كان الغرب يتعامل ككتلة واحدة أمام أي تحد قادم من الصين وروسيا (الاتحاد السوفييتي السابق) أو حتى من القوى الأخرى الأقل مثل إيران أو كوريا الشمالية، لكن ما نراه اليوم يعبر عن خلاف عميق ليس فقط في القيم والمواقف بل يتعلق بالهوية والمصالح الاستراتيجية ومستقبل القوى والمكونات التي يتشكل منها الغرب. وهناك شواهد كثيرة للفجوات الاستراتيجية بين الدول الغنية منها:
أولاً: غزو كندا منذ تأسيسها في الأول من يوليو 1867 كادت السياسات الأمريكية والكندية تكون متطابقة، وفي عام 2025 وصل معدل التجارة بين البلدين إلى نحو 720 مليار دولار، ورغم هذا التاريخ المشترك تنظر كندا حكومة وشعباً بجدية كاملة لتصريحات الرئيس دونالد ترامب لضم كندا لتصبح الولاية الواحد والخمسين، وما يؤكد غياب الثقة، وانتهاء الشراكة الخاصة، والتحالف الطويل بين واشنطن وأوتاوا هو وضع كندا خطة دفاعية لأول مرة منذ قرن ونصف لعرقلة أي غزو أمريكي تقوم على نموذج المقاومة أو استراتيجية الحرب غير المتكافئة حيث هناك فارق كبير في القدرات العسكرية بين كندا والولايات المتحدة لصالح الجيش الأمريكي، وتقديرات الجيش الكندي تقول بأن الجيش الأمريكي يمكن أن يستولي على المراكز الحيوية في كندا خلال يومين أو ثلاثة، لذلك تقوم هذه الخطة التي نشرتها الحكومة الكندية على تكتيكات تشبه التكتيكات التي كانت تستخدمها حركة طالبان في أفغانستان، وأن هذا التكتيك مع الطائرات المسيرة يمكن أن يعطل أو يعرقل «الغزو الأمريكي» بجانب ما أعلنته الجنرال جيني كاريجنان، رئيسة هيئة أركان الدفاع عن زيادة قوات الاحتياط الكندية إلى 400 ألف جندي، ويترافق كل ذلك مع استراتيجية «القلاع الشمالية» أي أن الحكومة الكندية في حال الغزو الأمريكي يمكن أن تحتمي في «الحصون الشمالية» في المناطق القطبية الثلجية الشاسعة للحفاظ على هيكل الحكومة والجيش والدولة الكندية من الانهيار، وتعمل كندا أيضاً على تعزيز مشتريات السلاح، وخطوط إنتاج الذخيرة بعد أن كانت تعتمد بنسبة كبيرة في كل ذلك على الولايات المتحدة، لكن ربما ما لم يتخيله أحد في كندا ما كشفته الحكومة الكندية من تواصل وزارة الخارجية الأمريكية مع المجموعات الانفصالية في مقاطعة «ألبرتا» الكندية، الذين يطلقون على أنفسهم «قادة مشروع ازدهار ألبرتا» وهي المقاطعة الغنية بالنفط، وأكبر مورد للنفط للولايات المتحدة الأمريكية حيث تصدر البرتا يومياً للولايات المتحدة نحو 3.5 مليون برميل من البترول الخام، هذا التواصل بين الخارجية الأمريكية والانفصاليين في ألبرتا وصفه بعض الكنديين بالخيانة خصوصاً عندما قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن ولاية ألبرتا «شريك طبيعي للولايات المتحدة، وسكانها مستقلون للغاية، ويملكون موارد نفطية هائلة».
ورغم أن هناك رأياً آخر في كندا يستبعد الغزو الأمريكي في الوقت الحالي إلا أن طرح كل هذه الخلافات على الطاولة أمر غير مسبوق بين بلدين كان ينظر إليهما على أنهما «أمة واحدة» في بلدين متجاورين.
ثانياً: الخلافات الحدودية رغم استقرار الحدود الدولية للدول الأوروبية منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، إلا أن الخلاف حول الهويات والمصالح السياسية وتغير موازين القوى للدول الأوروبية والنجاحات التي حققتها الأحزاب الشعبوية القومية أعاد إلى السطح صراعات وخلافات كانت قائمة قبل وبعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، فعلى سبيل المثال، ومنذ سبتمبر 2022 تطالب الحكومة البولندية نظيرتها الألمانية بنحو 1.5 تريليون دولار تعويضات عن قتل ألمانيا نحو 6 ملايين بولندي في الحرب العالمية الثانية، واليوم تقول بولندا - التي أصبح لها أكبر جيش في شرق أوروبا - إنها تطالب بالأراضي البولندية التي منحها.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
