في عالم الإدارة العامة يفترض أن تكون السلطة وسيلة لتحقيق العدالة الإدارية وخدمة المواطن، وأن يكون القرار الإداري أداة لضبط العلاقات داخل الدولة على أساس من القانون والشفافية والمساءلة. غير أن الواقع يكشف أحيانًا عن ظاهرة خطيرة تتسلل إلى بنية الإدارة بصمتٍ قاتل، هي ظاهرة الصمت الإداري؛ ذلك الصمت الذي لا يعني الحياد ولا الحكمة، بل قد يتحول في كثير من الأحيان إلى وسيلة غير معلنة لتسقيع الحقوق وإطالة أمد البت في مطالب المواطنين أو الموظفين.
فحين يتقدم المواطن أو الموظف بتظلم أو شكوى أو طلب مشروع، فإن أبسط مقتضيات العدالة الإدارية تفرض على الجهة المختصة أن تتعامل مع هذا الطلب بجدية وأن تبت فيه خلال مدة معقولة. لكن عندما تتحول المكاتب الإدارية إلى جدران صامتة لا تُصدر قرارًا بالقبول ولا بالرفض، فإن هذا الصمت يصبح في ذاته موقفًا إداريًا يحمل آثارًا قانونية وإنسانية خطيرة.
الصمت الإداري في صورته المنحرفة ليس مجرد تأخير إجرائي عابر، بل هو في كثير من الأحيان أسلوب من أساليب تعطيل الحقوق. فبدلًا من مواجهة الطلب بالقرار الصريح، تُترك الشكوى معلقة في الفراغ الإداري، وكأن الزمن هو الأداة التي يُعاقَب بها صاحب الحق. وهنا يتحول الانتظار إلى معاناة، ويتحول الأمل في العدالة إلى استنزافٍ بطيء لعمر الإنسان وطاقته.
والأخطر من ذلك أن الصمت الإداري قد يشكل إساءة لاستعمال السلطة. فالسلطة الإدارية مُنحت لأصحابها لتحقيق المصلحة العامة، لا لتعطيلها. وعندما يُستخدم الصمت كوسيلة للتهرب من المسؤولية أو للهروب من مواجهة الخطأ أو حماية المخالفين، فإن هذا السلوك لا يخرج كثيرًا عن كونه ظلمًا بيّنًا يمارس تحت ستار الشرعية الشكلية.
إن ضحية هذا الصمت ليست مجرد ملف مهمل على مكتب، بل إنسان حقيقي؛ مواطن أو موظف وجد نفسه في مواجهة سلطة لا تجيب ولا تحسم ولا تعترف حتى بوجود معاناته. فيصبح صاحب الحق أسير دائرة مغلقة من المكاتبات والمتابعات والانتظار، بينما يتآكل حقه ببطء شديد تحت وطأة الزمن.
ومن هنا يبرز سؤال أخلاقي وقانوني عميق: ما الفرق بين من يمارس الصمت الإداري ومن يعتدي على.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مجلة نقطة العلمية
