درس المغرب الإسلامي
تكشف التجربة العلمية في فضاء المغرب الإسلامي عن حقيقة حضارية عميقة، مفادها أن تشكّل المدرسة اللغوية لم يكن انعكاسًا لانقسام إثني أو تنازع لغوي، بل كان تجلّيًا لجدلٍ معرفي خصب، تفاعلت فيه روافد متعددة داخل أفق حضاري موحّد.
لقد انتصرت اللغة العربية، في هذا السياق، لا بوصفها لسان جماعة بعينها، بل باعتبارها أفقًا جامعًا للمعرفة والشرع والتدوين، أو ما يمكن تسميته، استلهامًا من تصور ابن خلدون، بـ”العصبية الرمزية” التي توحّد المختلفين داخل بنية ثقافية واحدة. فالعلماء، عربًا وأمازيغ، لم يتعاملوا مع اللغة كمعطى جاهز، بل ككائن حيّ قابل للتهذيب والتقعيد والتأويل.
في هذا الإطار، برزت إسهامات العلماء الأمازيغ في ترسيخ البعد التعليمي والصوتي والكتابي للغة العربية، حيث تحوّلت اللغة من أداة تواصل إلى نظام تربوي متكامل. فقد شكّلت “الآجرومية” مدخلًا بيداغوجيًا بالغ الأثر، لم يكتفِ بتيسير النحو، بل أعاد ترتيب العلاقة بين المتعلّم والبنية اللغوية، في أفق ما يشبه “اقتصاد المعرفة” الذي يختزل التعقيد دون أن يُفرغه من مضمونه. كما مثّلت “ألفية ابن معطي” علامة على نضج النحو في الغرب الإسلامي، حيث انتقل من طور التلقي إلى طور الإبداع.
أما في مجال القراءات، فقد أسهم ورش النفزاوي في تثبيت قراءة نافع، ضمن تقليد صوتي صارم، يُذكّر بما يسميه فرديناند دي سوسير “نظام العلامات”، حيث لا تُفهم اللغة إلا في بنيتها الصوتية الدقيقة. وبموازاة ذلك، تطوّر الخط المغربي على أيدي نساخ مهرة، منحوا الحرف بُعدًا بصريًا مميزًا، جعل الكتابة نفسها تتحوّل إلى شكل من أشكال التفكير المرئي.
في المقابل، انخرط العلماء العرب في المغرب الإسلامي في بلورة مدرسة لغوية تحليلية، نقلت النحو من حدود التقعيد إلى آفاق الفهم والتأويل. فقد أعاد الشلوبين قراءة التراث النحوي المشرقي قراءة نقدية، تربط البنية بالمعنى، فيما يشبه انتقالًا من “نحو العبارة” إلى “نحو الدلالة”. أما السهيلي، فقد مزج بين النحو والبلاغة والتفسير، محوّلًا اللغة إلى أداة لاكتشاف المقاصد، لا مجرد وسيلة لضبط الألفاظ. وهو مسار يلتقي، في عمقه، مع ما ذهب إليه بول ريكور.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
