لأسباب أفضل الاحتفاظ بها بأرشيف ذاكرتي، قصدت ذات صباح مصلحة إدارية قائمة بذاتها و تعمل تحت مظلة وزارة محترمة. و بعد تبادل التحية مع مأمورة الاستقبال و الإفصاح عن صفتي وغرضي، يممت وجهي نحو الجناح الأفخم بالبناية، و هناك أخبرتني أمينة سر المسؤول الأول بكل أدب بأن الرجل لم يلتحق بعد بمكتبه و بأن ظهوره مرتقب لا محالة بين الفينة و الأخرى و بأني، إن كنت فعلا ألح على لقائه، مطالب بالانتظار بقاعة الانتظار ـ أو "قاعة الخطى الضائعة" كما يحلو لبعض الفرنسيين تسميتها أحيانا، أو "قاعة سيدنا أيوب" عندما يحمل دورك رقم 145 في ترتيب المنتظرين !!
لم يدهشني رد الكاتبة على الإطلاق. فقد كنت أعلم بأن حضور رئيسها بمقر عمله غير خاضع لتوقيت معين بحكم طبيعة مهامه الموزعة بين مكتبه و مرافق أخرى بالمدينة، بل و بالإقليم أيضا. ما أثار انتباهي و شغل بالي و ساهم أيضا في تسليتي في المقابل هو ما عاينته و أنا أترقب وصوله. فقد شاءت الأقدار أن يتواجد مقعدي بموقع استراتيجي سمح لي بمتابعة حركات و سكنات موظفي المصلحة بشكل جيد.
فهذا يطيل التأمل في لون السماء انطلاقا من نافذة مكتبه، و هذه تستكمل عملية وضع ماكياجها مستعينة بمرآة دورة المياه، و هذا ماض في الإبحار عبر النت بحثا عن كل شيء و لا شيء، و هذه منغمسة في دردشات إلكترونية مكتوبة أحيانا و بالصوت و الصورة في أحايين أخرى، و هذا يذرع الممرات جيئة و ذهابا دون هدف محدد، و هذه تقفل هاتفها المحمول لتشرع في استخدام الهاتف الثابت ـ أو العكس ـ في مكالمات لا علاقة لمواضيعها بتخصص المصلحة، و هذا في صراع مرير مع شبكة من شبكات الكلمات المتقاطعة العصية على الملء، و هذه تملي وصفة تحضير كعكة مبتكرة من الجيل الجديد على زميلة تتقاسم معها نفس المكتب، و هذا يجد متعة خاصة في القيام بجولات متكررة بكل المكاتب و في تجاذب أطراف الحديث مع الجميع، و هذه صاعدة نازلة عبر سلالم البناية دون أن يكون بيدها ملف أو وثيقة، و هذا يحب التردد على موزع المشروبات الآلي من فرط عشقه لبنت اليمن، و هذه تبدو تائهة وسط هذا الجو الغريب و كل تصرفاتها تعطي الانطباع بأنها لم تجد بعد ضالتها في أي نشاط، و هذا يعيد توزيع ما توصل به من منشورات ترفيهية أو تثقيفية، و هذه لم تجد داعيا لتشغيل حاسوبها أو تحريك قلمها أو فتح سجلاتها فآثرت "الإنصات إلى عظامها"، و هذا لم يكلف نفسه عناء الحضور بجسده إلا عندما اقتربت عقارب الساعة من منتصف النهار (ربما لاقتناعه بأن حضوره و غيابه سيان)، و هذه تستعد لمغادرة المكان على بعد ساعتين من وقت الخروج النظامي (ربما لوعيها بحكم التجربة بأنها بسلوكها هذا لن تتسبب قطعا في سقوط السماء على الأرض) ... و باختصار شديد، سمعت جعجعة و لم أر طحينا، إذ وجدتني أمام أناس من الصعب تصنيفهم ضمن العاطلين كما أنه من الصعب أيضا تصنيفهم ضمن العاملين النشيطين.
دامت مدة الانتظار ثلاث ساعات بالتمام و الكمال لم أشعر خلالها بأي نوع من الانزعاج و إن كنت تمنيت لو كان بإمكاني التعليق على ما كان يجري أمامي بشراكة مع مرتفق آخر. للأسف، ظلت القاعة خالية إلا مني و كأن هناك أوامر عليا أبعدت الناس عني. و في نهاية المطاف تولد لدي شعور بأني لن أنعم بلقاء رئيس المصلحة إياها في ذلك اليوم، فقررت مغادرة المكان. لم أبلغ مرادي ... و لكنني خرجت بمشروع مقال.
فبعد دهشة التوظيف، أين هو العمل إذن ؟ و متى كان الفراغ وظيفة مؤدى عنها ؟
أكاد أجزم بأن السلوكات المرصودة ليس مردها إلى وجود إحساس بالكراهية تجاه العمل أو إلى وجود ميل متأصل إلى التكاسل و التقاعس و التلكؤ في إنجاز المهام بل مردها إلى غياب حكامة في المستوى. فالإدارة المعنية أفلحت فعلا في توفير مناصب شغل و لكنها لم تجتهد بما فيه الكفاية في توفير عمل يتناسب كمه مع كم المنتسبين إليها، إذ أنها ـ على ما يبدوـ ليست في حاجة إلى أكثر من ثلاثة موظفين أو أربعة للوفاء بكل التزاماتها المهنية داخل حدود ساعات الدوام الرسمي، و بالتالي فإن توظيفها لجيش من البشر لتقاسم كمية محدودة من العمل كان من البديهي أن يخلق فراغا وظيفيا مهولا. و بما أن الطبيعة لا تقبل الفراغ فإنه من المتوقع جدا أن يعمد موظفون من هذا الصنف إلى تزجية الوقت بكل الطرق الممكنة. و شخصيا، لا يمكن لي أن أحسد أمثال هؤلاء على وضعهم مهما علا حجم رواتبهم، و أعتقد بأنه لولا وجود الهاتف و الإنترنت و تطبيقات الترفيه الحديثة لماتوا ضجرا و هم في ريعان شبابهم أو كهولتهم. موظفون من هذا النوع نقتلهم يوميا و ببطء، و نقتل فيهم روح الإبداع إن كانوا مؤهلين له، و نقتل فيهم الرغبة في العطاء و الاجتهاد و التعلم و التطور، و نعطيهم الانطباع بأنهم مجرد نزلاء بسجن وظيفي و ليسوا أعضاء نشيطين بمؤسسة عمومية حية و منتجة.
و ظاهرة الفراغ الوظيفي نلمس وجودها بمجموعة من القطاعات حيث البنايات قائمة و التجهيزات متاحة و الموارد البشرية متوفرة و لكن العمل شبه منعدم، و إن توفر فإن ذلك يكون في الحدود الدنيا فقط. و الحالة هاته، أعتقد بأن هذه الظاهرة أخطر من ظاهرة الموظفين "الأشباح". فهؤلاء على الأقل لا نراهم و لا نعلم حتى بوجود أسمائهم على لوائح الموظفين الرسميين، أما مشهد موظف حاضر و لكنه يدور في حلقة مفرغة فمن الطبيعي أن يثير الانتباه و يسائل مقاربة مشغله لمفهومي التشغيل و الإنتاج، بل و من الطبيعي أيضا أن يشكل تبريرا منطقيا للشروط التقنية التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية عندما يتعلق الأمر بطلب قرض عمومي معتبر. فترشيد التوظيف العمومي من المداخل الأساسية للحفاظ على توازن مالية الدولة و على قدرتها على تصحيح ما شذ من الأوضاع وعلى تسديد ديونها الداخلية و الخارجية.
و من المؤسف حقا أن نلاحظ بأنه في الوقت الذي لا تجد فيه فئة من الموظفين العموميين فسحة زمنية حتى لسد الرمق في ظل التوقيت المستمر نجد فئة أخرى غارقة في "عسل" الفراغ بل و لديها من الوقت ما يجيز لها استغلال مقرات عملها حتى للطبخ و تنقية العدس و صناعة المحتوى و حياكة الملابس الصوفية ... بل و ربما للاستحمام أو "الاستدواش" أيضا !!!
الرئيس أو المشرف الجيد هو ذلك الذي يحسن تشغيل مرؤوسيه على نحو يجعلهم يحسون بأنه لا غنى عنهم و بأن لصرف رواتبهم ما يبرره من زاوية الإنتاج و بمنطق الأخلاق، و الحكامة الجيدة تقتضي تفادي التوظيف العشوائي و إعادة نشر الموظفين الفائضين و لو بشكل إجباري و حتى و إن دعت الضرورة إلى تكليفهم بمهام لا تمت لتكوينهم و لتخصصاتهم بصلة مادام أن الهدف مشروع و يصب في مصلحة الجميع ألا و هو خلق أجواء مهنية صحية، إذ لا يعقل أن يستمر موظف في التوهم بممارسة عمل ربما لا يوجد حتى بمخيلة الجهة المشغلة. و من يعاني من الفراغ بسبب محدودية المهام الموكولة إليه لا يمكن أن يكون راضيا عن نفسه و لابد أن يستيقظ بداخله يوما ما شيء ينبهه إلى عبثية وضعه.
أما عندما نرصد الظاهرة نفسها حتى في صفوف ذوي الكفاءات العليا و الرواتب السمينة فإننا نصبح في هذه الحالة أمام ممارسة ريعية لا تختلف في جوهرها عن أنشطة مماثلة من قبيل استغلال المقالع و مأذونيات النقل حيث الكسب الوفير الذي لا يقابله أي مجهود يذكر.
إن التشغيل العمومي لا يكون لاعتبارات إنسانية أو سياسية أو بهدف جبر الخواطر أو إرضاء لجهة معينة، بل يكون بهدف الاستجابة للحاجيات الحقيقية للإدارة حتى تكون مساهمة هذه الأخيرة في التنمية الوطنية العامة ملموسة و حتى يكون لوجود الموظف معنى و حتى تكون هناك مبررات معقولة لاستيقاظه المبكر و حلقه لذقنه و ترتيبه لهندامه و انخراطه في حركة السير و احتلاله لمكتب. بهذه الكيفية يكون من حق الموظف أن يطالب بالترقية الإدارية أو برفع أجره أو تحسين ظروف عمله أو توفير ما يراه مستحقا من الامتيازات متى توفرت المسببات، أما أن يطالب بكل هذه الأشياء و هو لا يعمل أساسا فهذا يدخل في خانة النكات المسلية و الراقية.
هذا و تجدر الإشارة إلى أن العامل المثالي هو ذلك الذي يستخدم معظم حواسه و يستغل معظم مهاراته الذهنية و / أو اليدوية على امتداد كل ساعات العمل، و عندما يلقي نظرة على ساعته من حين لآخر فإنما يفعل ذلك بهاجس تنظيم وقته حتى يتسنى له تحقيق الأهداف المسطرة ليومه و ليس لغاية استعجال وقت الخروج. العامل المثالي هو أيضا ذلك الذي لا يخشى العمل تحت الضغط بل و يستمتع به و بالتعب الناتج عنه أيضا و يجعله يتوق إلى مختلف أنواع العطل، أما من يمارس شبه عمل أو شبه وظيفة فلا يميز بين أيام الأحد و أيام الأربعاء و بين أيام العمل و أيام العطل مادام أن أيامه كلها عطل تقريبا.
و من المؤسف أيضا أن نلاحظ بأن طبيعة المنظومة السيوسيوـ اقتصادية المحلية بمعظم دول العالم الثالث لا تسمح للموظف في الغالب باستبدال وظيفته بأخرى في وقت لا يجد فيه الموظف أو العامل الأمريكي أو السويسري مثلا عناء يذكر في تغيير وظيفته ثلاث أو أربع مرات على امتداد مسيرته المهنية ليس فقط لطرد الملل أو لتجاوز أزمة تسريح عابرة و لكن لتجديد نفسه و إغناء تجاربه الشخصية أيضا، يل هناك من الغربيين من يفضل العمل من باب التطوع لا غير ـ و لو بجبال النيبال أو بقرية من قرى بوروندي ـ على الاستمرار في مزاولة عمل لا يحقق به ذاته و تكاد تنحصر فائدته في توفير أجرة شهرية منتظمة لا غير.
لقد آن الأوان ليستفيد القطاع العام ببلادنا من تجارب القطاع الخاص في مجال التشغيل و خصوصا في ما يتعلق برصد مكامن الشغور الحقيقي و تحديد الأهداف الرئيسية و ربط الأجور بنوعية العطاء و حجمه. أما إذا ظل الوضع على ما هو عليه فستراوح الاختلالات مكانها و لن يعرف مستوى النجاعة في أداء إدارتنا أي تحسن رغم ولوجنا عصر الرقمنة و توفرنا على أمهر الأطر و اكتسابنا لأحدث الأدوات و التقنيات.
تنبيه ختامي : ليس الغرض من المسحة الكاريكاتورية التي أضفيتها على هذا المقال هو الحط من قيمة الموظفين المعنيين إطلاقا. فهؤلاء في نهاية التحليل هم مجرد ضحايا، بل الغاية هي الدفع بمراجعة مفهوم الحكامة في قطاع الوظيفة العمومية باعتماد تقنية المبالغة التي تظل مشروعة طالما أن نبل الهدف لا يتناطح بشأنه عنزان.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
