سينما الأعداء

ما الذي يجعل الإنسان يحتاج إلى عدو؟ أهو الخوف، أم الرغبة في تبسيط عالم معقّد، أم الحاجة إلى تبرير العنف باسم النجاة؟ وتنبثق سينما الأعداء من هذا الجرح المفتوح، لا لتقدّم إجابات مريحة، وإنما لتضع القارئ والمشاهد أمام أسئلة حارقة لا مهرب منها. وفي هذا النوع من السينما، لا يبدأ الصراع عند أول طلقة، ولكن عند أول تسمية: من هو “نحن”، ومن هو “هم”، ومن قرر ذلك؟ وهنا تتقاطع السياسة مع الأخلاق، ويصبح الجسد ساحة اختبار، وتتحول الصورة إلى اعتراف. وبعد الانهيار، يفقد العدو ملامحه الواضحة، وتصبح السينما أكثر قلقًا، أكثر شكًا، وأكثر اقترابًا من الإنسان المجرد. وفي فيلم Schindler’s List / “لائحة شندلر” (1993)، تُقال جملة تقطع النفس باليقين: “من ينقذ حياة واحدة، كأنه أنقذ العالم كله”. وتبدو العبارة كفعل توبة متأخر، وتضع سينما الأعداء أمام سؤالها الأخطر: هل يمكن للفن أن ينقذ ما عجزت وفشلت فيه السياسة؟

حين يتصدّع اليقين

لا تعتبر سينما الأعداء نوعًا سينمائيًا مغلقًا بحدود واضحة، فهي حقل تعبيري يتشكّل كلما احتاجت السينما إلى تعريف الذات عبر نفي الآخر، أو إلى مساءلة هذا النفي ذاته. ولا يمكن اعتبار العدو في هذه السينما دائمًا شخصية محددة، فقد يكون دولة، فكرة، نظامًا، ذاكرةً جماعية، أو حتى حالة نفسية؛ لذلك تنتمي سينما الأعداء إلى أكثر من نوع: الفيلم الحربي، الدراما السياسية، السينما النفسية، وأحيانًا السينما الوجودية، حيث يتحول الصراع الخارجي إلى صراع داخلي، ويتحوّل الخصم إلى سؤال أخلاقي.

وتقوم ماهية سينما الأعداء على بناء علاقة توتر دائم، علاقة غير متكافئة غالبًا، بين “نحن” و”هم”. وهذه الثنائية ليست بريئة، فهي تُصاغ عبر خطاب لغوي وبصري وجسدي يحدد من يستحق الحياة، ومن يمكن التضحية به. ومن هنا تنبع أهم إشكاليات هذه السينما: شرعنة العنف، تبسيط العالم إلى معسكرين، تحويل الإنسان إلى رمز، ثم إلى هدف. وفي مقابل ذلك، تظهر أفلام أخرى داخل هذا الحقل لتقويض هذه الآليات، وكشف هشاشتها الأخلاقية.

وفي سينما الأربعينات، زمن الحرب العالمية الثانية، يظهر العدو بوصفه ضرورة تاريخية، لكن السينما تحاول، في لحظاتها الأكثر نضجًا، الحفاظ على بُعد إنساني. وفي فيلم Casablanca / “كازابلانكا” (1942)، إخراج مايكل كورتيز، لا يحتل النازيون مركز السرد، بل يشكّلون خلفية ضاغطة تفرض على الشخصيات اختياراتها، حين يقول ريك بلين: “مشاكل ثلاثة أشخاص صغار لا تساوي شيئًا في هذا العالم المجنون”. وهو يعبّر عن وعيٍ مأساوي بأن العدو الأكبر هو انهيار المعنى ذاته. والعداء هنا سياق أخلاقي، لا مجرد مواجهة مسلحة.

وفي فيلم The Best Years of Our Lives / “أفضل سنوات حياتنا” (1946) لويليام وايلر، ينتقل مفهوم العدو من الخارج إلى الداخل. ويكتشف الجنود العائدون من الحرب أن المعركة لم تنتهِ، حين يقول أحدهم بمرارة: “حاربنا العدو الخطأ، إذا كان هذا هو العالم الذي عدنا إليه”. ويتحول العدو إلى صدمة، وإلى مجتمع عاجز عن احتواء من دافعوا عنه.

صك الاتهام والاختبار

في الخمسينات، ومع صعود الحرب الباردة، يتغير تمثّل العدو. وفي فيلم The Enemy Below / “العدو في الأسفل” (1957) لديك باول، تُقدَّم مواجهة بين غواصة ألمانية ومدمرة أمريكية، لكن الفيلم يمنح الخصم احترامًا عسكريًا نادرًا، إذ يقول القائد الألماني: “لسنا أعداء لأننا نكره بعضنا، بل لأننا تلقينا أوامر بذلك”. ويعدو العداء هنا وظيفة سياسية، لا خيارًا أخلاقيًا. وأما Paths of Glory / “دروب المجد” (1957) لستانلي كوبريك، فيجعل العدو الحقيقي داخل المؤسسة العسكرية نفسها. وهنا لعبارة الكولونيل داكس دلالة كبيرة: “العدو ليس على الجهة الأخرى من التل، بل هنا”. وتتحوّل سينما الأعداء إلى سينما اتهام، وتفضح العنف حين يصدر باسم الشرف والوطن.

وفي السبعينات من القرن 20، ومع حرب فيتنام، تتصدّع صورة العدو نهائيًا. وفي فيلم Apocalypse Now / “القيامة الآن” (1979) لفرنسيس فورد كوبولا، يذوب العدو في الجنون. وهنا تقرأ عبارة كورتز الشهيرة: “الرعب… الرعب”، ليست وصفًا للخصم، وإنما اعترافًا بانهيار الإنسان حين يُطلق له العنان باسم الحرب. وفي فيلم The Deer Hunter / “صائد الغزلان” (1978) لمايكل تشيمينو، تتحول لعبة الروليت الروسية إلى استعارة دامية للعداء العبثي، حين يقول الجندي: “طلقة واحدة… هذا كل شيء”. ونكتشف أن العدو ليس الشخص المقابل، فهو المصادفة القاتلة التي تحكم مصائر الجميع.

وبعد 2001، تعود سينما الأعداء بقوة، لكن بملامح مرتبكة. وفي The Fog of War / “ضباب الحرب” (2003) لإيرول موريس، يُعاد التفكير في مفهوم العدو عبر شهادة صانع القرار نفسه، حينما يقول روبرت ماكنامارا: “التعاطف مع عدوك ليس ضعفًا”. وهنا العداء يُفكك فكريًا، ويُطرح كسؤال أخلاقي مؤجل. وفي المقابل، يقدم Black Hawk Down / “سقوط الصقر الأسود” (2001)، الذي استمر تأثيره في خطاب 2003 بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وهنا ظهر العدو بلا أسماء ولا وجوه، مجرّد كتلة تهديد، ما يعكس كيف يمكن للسينما أن تنزلق إلى خطاب شعبوي وتعبوي صريح.

وفي 2009، تبدأ السينما في مراجعة خطابها. وفي فيلم The Hurt Locker / “خزانة الألم” (2009) لكاثرين بيغلو، العدو غير مرئي، وربما غير موجود أصلًا. يقول البطل: “نشوة المعركة قد تكون إدمانًا قاتلًا”. ويصبح العدو الحقيقي الإدمان على الحرب نفسها.

وفي العام ذاته، يقدّم Inglourious Basterds / “أوغاد بلا مجد” (2009) لكوينتن تارانتينو عدوًا واعيًا بخطابه. يقول هانز لاندا: “أحب الشائعات، فالحقيقة قد تكون مضللة”. وهنا تُفضح صناعة صورة العدو بوصفها بناءً لغويًا قبل أن تكون واقعًا. وفي 2020، مع سينما الذاكرة والضحايا، يظهر فيلم Quo Vadis, Aida? / “إلى أين تذهبين يا عايدة؟” (2020) لياسملا زبانيش. تقول البطلة: “إذا صمتُّ، أختفي”. والعدو هنا ليس فقط الجندي، فهو الصمت الدولي، والخذلان السياسي، وغياب العدالة. وتتجه سينما الأعداء إلى تفكيك المفهوم نفسه. فالعدو لم يعد وجهًا، وإنما نظامًا، وشبكة مصالح، أو خوارزميات. وفي هذا السياق تُقال عبارة باتت شائعة في أفلام العقد الجديد: “العدو لم يعد شخصًا، بل نظامًا كاملًا”. وأصبحت السينما هنا أقل يقينًا، وأكثر تشككًا، وتُعيد طرح السؤال الجوهري: هل نحتاج إلى عدو كي نفهم أنفسنا؟

سينما الأعداء، في تحديداتها، ليست سينما كراهية، بقدر ما هي سينما اختبار، اختبار للأخلاق، وللغة، وللجسد تحت الضغط. إنها سينما تكشف أن أخطر الأعداء ليس دائمًا من يقف في الجهة الأخرى، وإنما ما نصبحه نحن حين نمنحه هذه الصفة.

حين يتكثف الصراع في لحظة

في سينما الأعداء، لا تُحسم المعارك دائمًا بالرصاص، وإنما بلحظة نظر، بصمت ثقيل، أو بجملة تُقال في توقيت قاتل. والمشهد الجمالي هو النقطة التي يتكثف فيها التاريخ والسياسة والذات في لقطة واحدة، فتتحول المواجهة إلى صورة لا تُنسى. وعبر العقود، صنعت هذه السينما مشاهد تختصر العداء وتفضحه في آن واحد، وتكشف كيف يتبدّل معنى “العدو” بتبدّل الزمن.

وفي سينما الثلاثينات من القرن 20، حيث كانت ظلال الحرب تلوح قبل اندلاعها، يقدّم فيلم All Quiet on the Western Front / “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية” (1930) مشهدًا صادمًا في خندقه الأخير، حين يقتل الجندي الألماني خصمه الفرنسي وجهًا لوجه، ثم يكتشف إنسانيته متأخرًا. وفي تلك اللحظة يقول بانكسار: “كنتَ عدوي، ولو التقينا في مكان آخر لكنا صديقين”. وهنا يصبح العدو شبيهًا، ويغدو القتل فعلًا بلا معنى، وتتحول اللقطة إلى مرثية مبكرة للقرن العنيف.

في الستينات، زمن الأيديولوجيات الصلبة، يخلّد فيلم Dr. Strangelove / “دكتور سترينجلوف” (1964) لستانلي كوبريك مشهد غرفة الحرب، حيث يناقش القادة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 13 ساعة
أشطاري 24 منذ 7 ساعات
جريدة تيليغراف المغربية منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 20 ساعة
هسبريس منذ ساعة
موقع بالواضح منذ ساعة
هسبريس منذ 3 ساعات