كشف وزير العدل أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب عن قانون المحاماة الجديد، في عرض مفصل حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، واضعاً بذلك أسس مرحلة جديدة تهدف إلى تحديث هذه المهنة الحيوية وتعزيز دورها داخل منظومة العدالة. المشروع، الذي يأتي بعد مرور سبعة عشر عاماً على دخول القانون الحالي حيز التنفيذ، لا يكتفي بإدخال تعديلات تقنية، بل يسعى إلى إعادة هيكلة عميقة تلامس شروط الولوج، وآليات التكوين، وأشكال الممارسة، وكذا حكامة الهيئات المهنية.
وأكد وزير العدل أن هذا المشروع هو ثمرة حوار موسع مع مختلف الفاعلين والهيئات المهنية، حيث تم الوقوف على الاختلالات التي طبعت التطبيق السابق، سواء من حيث ضعف التكوين أو عدم ملاءمة بعض المقتضيات مع التحولات التي يعرفها قطاع العدالة. ومن هذا المنطلق، تم تصميم النص الجديد ليكون أكثر قدرة على مواكبة التطورات، وضمان جودة الخدمات القانونية المقدمة للمواطنين.
من أبرز المستجدات التي جاء بها المشروع، اعتماد نظام المباراة كآلية جديدة للولوج إلى مهنة المحاماة، بدل النظام السابق القائم على الامتحان. هذا التحول يعكس توجهاً نحو ضبط أعداد الوافدين إلى المهنة، وتحقيق انتقاء أكثر دقة للكفاءات، بما يضمن مستوى أعلى من التأهيل. ولا يتوقف الأمر عند حدود النجاح في المباراة، بل يصبح المترشح طالباً يخضع لتكوين أساسي لمدة سنة داخل معهد متخصص، يتلقى خلالها تكويناً نظرياً معمقاً، قبل أن يحصل على شهادة الكفاءة التي تخوله الانتقال إلى مرحلة التمرين.
ويمتد التمرين لمدة 24 شهراً، موزعة بين تجربة ميدانية داخل مكتب محامٍ تحت إشراف النقيب، وتدريب إضافي داخل مؤسسات عمومية أو هيئات ذات صلة بالمجال القانوني. هذا المسار التكويني المتكامل يعكس رغبة المشرع في تجاوز المقاربة التقليدية، والانتقال نحو نموذج تكويني يجمع بين المعرفة النظرية والخبرة التطبيقية.
وعلى مستوى ممارسة المهنة، يفتح المشروع آفاقاً جديدة أمام المحامين من خلال تنويع صيغ الاشتغال. إذ أصبح بإمكان المحامي مزاولة المهنة بشكل فردي أو ضمن شراكات محددة، سواء مع محامين من نفس الهيئة أو من هيئات أخرى، مع تحديد سقف الشركاء في اثنين. كما يسمح النص بإبرام عقود مساكنة أو إنشاء شركات مدنية مهنية، إضافة إلى إمكانية الاشتغال كمحامٍ مساعد. هذه المرونة تهدف إلى تمكين المحامين من التكيف مع متطلبات السوق القانونية المتغيرة، وتشجيع العمل الجماعي دون الإخلال بضوابط المهنة.
وفي سياق الانفتاح على المحيط الدولي، أتاح المشروع إمكانية إبرام عقود تعاون مع محامين أجانب أو شركات محاماة دولية، شريطة الخضوع لمراقبة النقيب والتقيد بالقوانين الوطنية. كما وضع ضوابط واضحة لمزاولة المحامين الأجانب بالمغرب، حيث اشترط تسجيلهم ضمن إحدى هيئات المحامين، حتى في حالة وجود اتفاقيات ثنائية تسمح بالممارسة المتبادلة. هذا التوجه يسعى إلى تحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار القانوني الدولي وحماية خصوصية المهنة داخل المغرب.
أما على مستوى التنظيم المهني، فقد حمل المشروع إشارات قوية نحو تحديث الحكامة داخل هيئات المحامين. إذ تم لأول مرة التنصيص على تعزيز تمثيلية النساء داخل المجالس المهنية، في خطوة تعكس التحولات الاجتماعية والمهنية التي تعرفها المملكة. كما تم رفع الحد الأدنى لعدد المحامين اللازم لإحداث هيئة جديدة إلى 500 محام، بهدف تقوية البنية المؤسساتية وضمان فعالية أكبر في التدبير.
ومن بين النقاط التي أثارت اهتمام المتتبعين، قرار حصر ولاية النقيب في مدة واحدة غير قابلة للتجديد. هذا الإجراء يندرج ضمن توجه عام نحو تجديد النخب المهنية وتعزيز التداول على المسؤوليات، بما يحد من احتكار المناصب ويضخ دينامية جديدة داخل الهياكل المهنية.
في المجمل، يعكس مشروع قانون المحاماة الجديد رؤية إصلاحية شاملة تسعى إلى الارتقاء بالمهنة، ليس فقط من خلال تحسين شروط الولوج والتكوين، بل أيضاً عبر إعادة تنظيم بنيتها الداخلية وتعزيز انفتاحها على التحولات الوطنية والدولية. وبين رهانات التأهيل وضبط الممارسة، يبقى التحدي الأكبر هو تنزيل هذه المقتضيات على أرض الواقع، بما يحقق التوازن بين استقلالية المهنة ومتطلبات العدالة الحديثة.
هذا المحتوى مقدم من أشطاري 24
