قال الحسين غزوي، الدبلوماسي المغربي مدير إدارة الثقافة بالأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، إن “المملكة المغربية تخوض اليوم معركة قانونية وحضارية شرسة لحماية هويتها من محاولات السطو بجميع أشكالها”، مؤكدا أن الأدلة التاريخية والحرفية الدقيقة تجعل من محاولات نسب “القفطان” أو “الزليج” لغير أهله مجرد “محاولات بائسة” تصطدم بواقع مغربي متجذر لا يقبل التزييف.
وأضاف غزوي، في الحوار التالي مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن استهداف التراث المغربي يعكس توترات جيو-سياسية تتجاوز حدود الموروث لتستهدف القوة الناعمة للبلد، موردا أن الرباط “تكسب صراع الملكية الفكرية والأخلاقية للتراث المحلي على المستوى الدولي”، مستحضرا النجاح في تثبيت عناصرها التراثية لدى منظمة “اليونسكو” والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) كحصن قانوني ضد “المصادرة غير المشروعة”.
وشدد نائب رئيس البعثة الدبلوماسية لكوريا الجنوبية سابقا على أن “التوقيع الثقافي الوطني عصي على الاختطاف أو الاستنساخ المشوه، ويبقى تحويل الثقافة إلى رافد اقتصادي وتنموي هو الرد الأمثل على محاولات التهميش أو السطو”، ودعا إلى ضرورة الخروج من “منطقة الراحة”، مؤكدا أن حماية “الرأسمال الرمزي” المغربي تتطلب توازنا دقيقا بين الانفتاح على الاقتصاد العالمي والصمود أمام موجات “التمييع” التي تحاول اختراق الوعاء الحضاري الإسلامي والمغربي.
نص الحوار:
أنت تتولى إدارة الشؤون الثقافية بمنظمة التعاون الإسلامي. كيف تقيم الدور الحالي لما تقومون به على مستوى تثمين العنصر الثقافي أمام التغيرات العالمية المتسارعة وضعف الاهتمام بالرأسمال الرمزي؟
أولا، أود التذكير بأن منظمة التعاون الإسلامي تضم 57 دولة من ثلاث مناطق جغرافية كبرى في آسيا وإفريقيا والعالم العربي. وقد تأسست بمدينة الرباط سنة 1969 عقب الحريق المتعمد الذي أصاب المسجد الأقصى، وبطبيعة الحال يعد المغرب دولة مؤسسة لهذه المنظمة. المنظمة سياسية بالدرجة الأولى، ولكن هناك قطاعات حيوية نشتغل عليها، بما فيها الاقتصاد، والإعلام، والسياحة، والثقافة، والشؤون الإنسانية، ومجموعة من القضايا الأخرى التي تهم العالم الإسلامي بصفة عامة.
نحن نشتغل على بلورة الاستراتيجيات الثقافية. وبطبيعة الحال، فإن الثقافة، كمنظور كلي وشامل، تطرح تحديات كثيرة نظرا للاختلافات والتنوعات الثقافية الواسعة في عالمنا؛ فالدول الآسيوية لها نسق تاريخي وإنساني واجتماعي وفكري وسياسي معين، وللدول الإفريقية نسق مختلف تماما. والأمر ذاته ينطبق على الدول العربية ودول شمال إفريقيا.
ثمّة تقاطعات وتشابهات متحقّقة في مواضيع محددة، منها تجربة الاستعمار الغربي ونشأة هذه الدول وصعودها. وبالتالي، نحاول التعامل مع القطاع بطريقة عرضانية تأخذ بعين الاعتبار المحددات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وتطور هذه البلدان ونشأتها عشية تجربة الاحتلال وبعده.
ورغم كبر التحديات وتعددها، نحاول وضع تصور استراتيجي واضح للنشاط والفعل الثقافي عبر القرارات التي تصدر عن مجالس وزراء الخارجية والقمم الإسلامية. هناك كل سنة اجتماع لوزراء الخارجية يُعقد في إحدى الدول، هدفه دراسة مدى تنفيذ القرارات الصادرة عن الدول الأعضاء، بما فيها القرارات الثقافية المعنية بمجموعة من القضايا، وعلى رأسها قضية العرب والمسلمين الأولى “قضية فلسطين”، والحفاظ على التراث الإسلامي، والتنمية الثقافية، ومواكبة التغيرات التكنولوجية المتسارعة وتأثيراتها.
دورنا الثقافي يتجلى في التعاون وتحقيق مبدأ التضامن الثقافي بين كل هذه المناطق الجغرافية في حدود الإمكانات المتاحة. في إفريقيا مثلا، نقوم بأنشطة كثيرة ومتعددة، كان آخرها نشاط نظمناه بالعاصمة السنغالية “داكار” احتفاء بالذكرى الـ1500 لميلاد النبي محمد، وهذا يأتي في إطار تحقيق اللحمة الحضارية والإنسانية بين الدول الأعضاء.
في إحدى أوراقك العلمية، ذكرتَ أن من بين التحديات التي تواجه تقوية الفعل المعرفي تحويلُ الثقافة إلى “سلعة” أو “بضاعة”، مع أن المنظمة تساند من جهة أخرى الاقتصاد الإبداعي، أي تحصيل مداخيل من الثقافة. هل من توضيح؟
هذه حقيقة نقطة يحيط بها قدر من الجدل وتطرح نقاشا كبيرا على المستوى العالمي. فعندما نتحدث عن الثقافة كسلعة، فنحن نتحدث عن الاقتصاد الإبداعي أو ما يسمى “الاقتصاد البرتقالي”. الثقافة الآن أصبحت رافدا من روافد التنمية الشاملة، ولعلّ السينما من أبرز الأمثلة.
نحن نتحدث عن الثقافة في جانبها الإيجابي، كإمكانية لخلق فرص الشغل والثروة وتحقيق النماء والنمو، وليس بمعنى “التمييع الثقافي” أو تسليع الثقافة لتصبح مجرد بضاعة متداولة بدون أي قيمة فكرية أو علمية أو تنموية أو حضارية. يجب أن نفرق بين الثقافة كعنصر يمكن تثمينه ليخلق لنا فرص الشغل والثروة وإشعاعا عالميا، وبين الثقافة كوسيلة للترفيه المبتذل وتغييب عقول الشباب وإدخال قيم غريبة عن وعائنا الحضاري الإسلامي.
الثقافة قاطرة للتنمية. والسينما صناعة بحد ذاتها. حتى المهرجانات الموسيقية فهي تخلق طفرة اقتصادية وتنموية بمناطق مختلفة. وبالتالي، المعنى الخيّر لتبضيع الثقافة هو جعلها مساهما في النهضة التنموية.
وهذه التنمية لا يجب أن تكون في المركز فقط. يقتضي الوضع أن تستفيد كل المناطق في إطار المفهوم الشامل للتنمية المندمجة في الجهات والأقاليم.
كمثال مهم هنا، أذكر أننا نظمنا مؤخرا المهرجان الثقافي للمنظمة بالعاصمة الأذربيجانية باكو، وكان التركيز فيه على الصناعات الإبداعية ودورها في التنمية.
ولكن، على هذا المستوى، هناك منافسة تبدو أحيانا مشروعة؛ فالكثير من دول المنطقة تراهن على ما هو ثقافي لتعزيز تموقعها الإقليمي، ضمن ما كان يعرف بالإستراتيجيات الناعمة. ماذا حقق المغرب في هذا السباق الإقليمي والقاري؟
أتصور أنه حقق فعلا طفرة كبيرة في جوانب “القوة الناعمة”، بما فيها دعامات الدبلوماسية الثقافية والأمنية والروحية والاقتصادية. المؤشرات الدولية التي ترصد صعود القوى الناعمة تظهر أن المغرب يحتل مراكز متقدمة جدا؛ فهو الأول في شمال إفريقيا والأول على مستوى القارة. وبالنسبة للعالم العربي، هناك دول لديها إمكانيات مادية كبيرة مثل الإمارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية وقطر، وتسخر جهودا ضخمة.
المغرب، رغم كل شيء، لديه من الإمكانات ما يمكنه من ريادة القوة الناعمة في العالم العربي والإسلامي لعوامل متعددة: منها الاستقرار السياسي، التطور الاقتصادي المهم، والطفرة الرياضية، على غرار ما أبان عنه من قدرة تنظيمية خلال استضافة كأس الأمم الإفريقية 2025 ونتائج المنتخبات الوطنية المتميزة في مختلف الفئات السنية، والاستعدادات الجارية لاحتضان كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
حتى على مستوى الموسيقى والسينما، يعد المغرب “رائدا” اليوم. الفن السابع في بلدنا، وهو عموما لا يضاهي السينما المصرية التي باتت تتقهقر في السنين الأخيرة، يقود نوعا ما الصناعات السينمائية في العالم العربي، وإن كانت الجهود المبذولة محليا تتطلب المزيد من تكثيف الميزانيات لضمان ريادة فعلية ومستدامة.
( مقاطعا).. ومع ذلك ما زالت تحديات كثيرة تواجهنا في ناحية تنفيذ المشاريع الثقافية…
بالفعل، وهي كثيرة. لكن الرهان هو كيف نستطيع خلق الفرص من رحمها. من أبرز الصعوبات الموجودة قلّة الموارد المالية، والبيروقراطية أو البطء الإداري الذي يواجه المشاريع الثقافية، وتعقيدات الصفقات العمومية، إضافة إلى غياب الكوادر المؤهلة لإدارة المشاريع الثقافية وتنسيق التربية الفنية. نحتاج لمؤسسات تشتغل على تكوين العقول القادرة على إدارة هذه المشاريع وجعلها مربحة، لا مجرد مستهلك للميزانيات.
كما نعاني من المركزية على مستوى اتخاذ القرار وحصر الفعاليات في المدن الكبرى؛ فمعظم التظاهرات القوية تكون في الرباط أو الدار البيضاء، بينما تعاني هوامش البلد من تمييز واضح. لهذا يجب أن يكون لدينا تصور شمولي يرتكز على صيغة مؤسساتية تتولى إحداث تغيير إيجابي. التغيير سوف يؤهل ذوق الشباب.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
