في زقاق ضيق من حومة “البلد” في قلب المدينة العتيقة لتطوان، حيث تتعانق الجدران المطلية بالجير ويهمس البلاط بحكايات العابرين، تنهض صومعة الجامع الكبير كإصبع يشير إلى السماء لا يحتاج إلى لافتة لتعرفه؛ فهو المكان الذي تنشد إليه أرواح تطوان منذ قرون، حتى صار اسمه “الأعظم” يتردد على الألسنة كما يتردد الأذان في أزقته.
تدخل من أحد الأبواب الرئيسية للجامع الكبير، وهي ثلاثة، ذي الخشب الثقيل الذي دبغته أيدي الصناع المحليين، فيستقبلك فانوس مذهب معلق في سقف الشارع كأنه نجمة سقطت لتضيء العتبة، أول ما يصدمك ليس الزخرفة؛ بل السكينة، سكينة كثيفة، لها رائحة الخشب العتيق وماء الوضوء.
وكشف مصدر ديني بمدينة تطوان، في تصريح لهسبريس، أن المسجد الأعظم “الجامع الكبير” بتطوان تأسس سنة 1808 ميلادية بأمر من السلطان العلوي المولى سليمان، حيث بني على أنقاض مسجد قديم. وبعد اكتمال بنائه، أوفد له السلطان أحد العلماء المتخرجين من جامع القرويين بفاس؛ وهو الشيخ الفقيه العالم المفتي محمد الحراق المتوفى عام 1261 هجرية، لينشر منه العلوم الشرعية وهو أول من أدخل درس التفسير لتطوان.
وأوضح المصدر ذاته أن من بين الخطباء والعلماء الذين مروا من هذه المعلمة الدينية نجل الفقيه العلامة اللبادي، والفقيه الموسوعي المرابط الترغي، والفقيه الخطيب المفوه إسماعيل الخطيب.
وأوضح المصدر الديني المحلي أن المسجد احتضن دروس الكراسي العلمية كان يؤطرها كبار العلماء والفقهاء والمحدثين بمدينة تطوان أمثال الفقيه الترغي وبنتاويت والحسين وأخريف وإسماعيل الخطيب.
ولا يزال المسجد اليوم يؤدي أدواره التربوية والدينية والعلمية بمجهودات القائمين على الشأن الديني، وخطيب الجمعة به اليوم هو رئيس المجلس العلمي المحلي بتطوان الذي يشرف على سلسلة من الدروس الوعظية والكراسي العلمية التي أعادت للجامع وهجه القديم، فصار مقصدا لطلبة العلم من داخل المدينة وخارجها.
وتحت أقواسه الخمسة، لا تزال حلقات تحفيظ القرآن تحتضن الصغار والكبار؛ فيما تتواصل برامج محو الأمية والتأطير الديني للنساء في المصلى المخصص لهن.
وبين محرابه المذهب وصحنه المرصع بالرخام، يلتقي الماضي بالحاضر، منبر كان يعتليه محمد الحراق في القرن التاسع عشر، يعتليه اليوم علماء يواصلون رسالة التبليغ والتأصيل، ليبقى الجامع الكبير شاهدا حيا على أن المسجد في المغرب لم يكن يوما مكان صلاة فقط؛ بل جامعة للروح والعقل، ومشتلا للهوية.
وحسب الشهادات الشفاهية التي توصلت بها جريدة هسبريس الإلكترونية، فإن الجامع الكبير شيد في قلب حومة “البلد” بالمدينة العتيقة خلال العقود.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
