تحولات في ملف الصحراء

التحولات الدبلوماسية في ملف الصحراء المغربية: نحو ترسيخ مقترح الحكم الذاتي كإطار واقعي لتسوية النزاع

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تعود قضية الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش داخل أروقة الأمم المتحدة، ليس فقط باعتبارها نزاعا إقليميا ممتدا، بل بوصفها ملفا يعكس توازنات جيوسياسية جديدة تتشكل تدريجيًا في إطار تزايد حضور منطق الواقعية السياسية في تسوية النزاعات. وقد أفرزت الجلسة المغلقة الأخيرة لمجلس الأمن الدولي، المنعقدة في 23 أبريل 2026 والمخصصة لمتابعة تطورات هذا الملف، وما رافقها من تقديم موعد المناقشة، مؤشرات واضحة على أن التعاطي الدولي مع القضية لم يعد محكومًا فقط بمنطق التدبير الدوري، بل بات أقرب إلى مقاربة تفاعلية تأخذ بعين الاعتبار التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، بما في ذلك إعادة ترتيب أولويات الأمن العالمي وتزايد الضغوط الناتجة عن أزمات متزامنة في مناطق مختلفة من العالم.

كما أن هذا الحضور المتجدد للملف داخل أجندة المجلس يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الفاعلين الدوليين بأن استمرار الوضع على ما هو عليه، لم يعد خيارًا مستداما، خاصة في ظل التحولات العميقة التي تعرفها موازين القوى داخل النظام الدولي. ويؤشر ذلك أيضا إلى انتقال تدريجي من منطق “إدارة الأزمة” إلى منطق البحث عن تسوية”، وهو تحول يعكسه ارتفاع مستوى التفاعل مع الاحاطات الأممية، وتزايد النقاش حول ضرورة إعادة تقييم ادوات الاشتغال الدبلوماسي في هذا الملف.

في هذا السياق، تبرز أهمية الاحاطات التي قدمها كل من “ستيفان دي ميستورا”، المبعوث الشخصي للأمين العام، و”ألكسندر إيفانكو”، رئيس بعثة “المينورسو”، باعتبارها أدوات تقييم میداني وسياسي تسعى إلى إعادة رسم صورة الوضع على الأرض بشكل أكثر دقة وواقعية، بعيدا عن القراءات السياسية المتباينة التي تقدمها الأطراف المعنية بالنزاع. فهذه الاحاطات لا تقتصر على نقل معطيات تقنية حول الوضع الأمني أو الميداني فقط، بل تتجاوز ذلك إلى تقديم قراءة تحليلية شاملة تساعد مجلس الأمن على فهم اتجاهات تطور الملف وتعقيداته المتراكمة عبر سنوات من الجمود.

ورغم أن هذه الاحاطات لم تحمل قطيعة مع المواقف السابقة، فإنها أكدت استمرار حالة الجمود السياسي التي تطبع مسار التسوية، مقابل دينامية ميدانية تتغير بوتيرة متفاوتة، سواء على مستوى تدبير وقف إطلاق النار أو على مستوى التفاعلات السياسية بين الأطراف المعنية بالنزاع. ويعكس هذا التباين بين الجمود السياسي والحركة الميدانية طبيعة الوضع المعقد في المنطقة، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الدبلوماسية، مما يجعل أي تقدم في المسار السياسي رهينا بتوافقات دقيقة بين الفاعلين الدوليين والإقليميين.

كما أن استمرار هذا الجمود لا يعني بالضرورة غياب التطور، بل يشير إلى انتقال النزاع إلى مرحلة أكثر تعقيدا تتسم بإعادة تموضع المواقف بدل تغييرها جذريا، وهو ما يجعل من دور البعثة الأممية عنصرًا أساسيا في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار ومنع الانزلاق نحو التصعيد. وفي هذا الإطار، تكتسي الاحاطات أهمية إضافية باعتبارها وسيلة الرصد التحولات الدقيقة التي قد لا تكون ظاهرة بشكل مباشر في الخطاب السياسي العلني للأطراف.

ومن جهة أخرى، فإن أهمية هذه الاحاطات لا تكمن فقط في مضمونها التقني أو الإجرائي بل في كونها تشكل مرجعية مركزية لصياغة مواقف الدول الأعضاء داخل مجلس الأمن الدولي، حيث تُبنى عليها التصورات الأولية حول اتجاهات التسوية المحتملة، وحول مدى قابلية المبادرات المطروحة للتطبيق على أرض الواقع.

وفي ظل غياب تقدم ملموس على مستوى المفاوضات المباشرة بين الأطراف، تزداد أهمية هذه التقارير في توجيه النقاش الدولي نحو البحث عن صيغ أكثر براغماتية وواقعية، تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الواقع الميداني وتشابك المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بالمنطقة.

وبهذا المعنى، تتحول الاحاطات الأممية من مجرد تقارير دورية إلى عنصر أساسي في هندسة النقاش السياسي داخل مجلس الأمن، ومن أداة وصفية للواقع إلى أداة تأثير غير مباشر في توجيه مسارات التفاوض وصياغة التوقعات المستقبلية بشأن الحل النهائي للنزاع.

في قلب هذا النقاش الدولي، يبرز مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب كإطار عملي لحل النزاع، يقوم على منح جهة الصحراء صلاحيات واسعة في إطار السيادة المغربية.

وقد اكتسب هذا المقترح على مر السنوات زخما متزايدًا، لاسيما بعد أن تم الاعتراف به في العديد من المواقف الدولية باعتباره “جديا وذا مصداقية وواقعيا”، وهو توصيف أصبح يتكرر في الخطاب الدبلوماسي لعدد من الدول، مما يعكس تحولا تدريجيا في طريقة التعاطي مع الملف من منطق التوازن بين الأطروحات إلى منطق تقييم القابلية للتطبيق.

وقد جاء قرار مجلس الأمن 2797 ليعزز هذا التوجه، من خلال التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي قائم على التوافق، وهو ما فتح الباب أمام إعادة توجيه النقاش نحو المبادرة المغربية باعتبارها أرضية تفاوضية مركزية، بدل تعدد الطروحات غير القابلة للتنفيذ. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ضوء ما يعتبره مراقبون انتقالاً تدريجيا من منطق تدبير النزاع” إلى منطق “تسوية النزاع”، وهو تحول يعكسه تزايد الإقرار الدولي بأن استمرار الوضع القائم، في ظل وجود مقترح قابل للتطبيق لم يعد قابلا للاستدامة على المدى الطويل، سواء من الناحية السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية في المنطقة.

ولعل من أبرز المستجدات في ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة اتساع دائرة الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي أو المعترفة بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، حيث قامت عدة دول خصوصا في إفريقيا والعالم العربي وأمريكا اللاتينية، بخطوات ذات دلالة سياسية واضحة تعكس دعمًا عمليا متزايدًا للموقف المغربي، وتؤشر على انتقال نوعي في طبيعة الاعتراف الدولي من المستوى السياسي التقليدي إلى مستوى مؤسسي ودبلوماسي أكثر رسوخا. وفي السياق ذاته، باتت العديد من الدول الأوروبية والآسيوية تعتمد مقاربة أكثر براغماتية في تعاطيها مع الملف، تقوم على دعم الحل السياسي الواقعي دون الدخول في مواجهات مباشرة بين الأطراف، مع ميل متزايد نحو اعتبار مبادرة الحكم الذاتي إطارا جديا وعمليا للتسوية. ويعكس هذا التحول تغيرا أعمق في فلسفة التعامل مع النزاعات الإقليمية، حيث أصبحت الفاعلية والواقعية وقابلية التنفيذ معايير أساسية في تقييم الحلول المقترحة، بدل الاقتصار على الطروحات النظرية أو المواقف التقليدية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
هسبريس منذ 7 ساعات
Le12.ma منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
جريدة تيليغراف المغربية منذ 21 ساعة
موقع بالواضح منذ ساعة
هسبريس منذ ساعة
هسبريس منذ 20 ساعة