تثير العلاقة بين النقابات والأحزاب النقاش لدى الرأي العام حول طبيعة هذه العلاقة، هل هي علاقة جدلية أم مرتبطة بظرفية انتخابية؟ لا سيما وأن الأحزاب الكبرى دائما ما كانت تعتمد على التنظيمات النقابية من أجل فرض سياستها وتوجهاتها ومطالبها السياسية من أجل الضغط على الدولة أو الحكومة قصد تحقيق مكاسب انتخابية. بالمقابل ظلت النقابات بدورها تبحث عن غطاء سياسي من أجل إيصال صوتها والبحث عن تموقع داخل الخريطة السياسية وفرض بعض أعضائها داخل الأحزاب السياسية.
إعداد: خالد الغازي
بعد التطورات والتحولات التي عرفتها نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، ونقابة الاتحاد المغربي للشغل، يتبين أن التنظيمات النقابية أصبحت خاضعة للتوجهات الحزبية ولرغبات السياسيين، وبعدما كانت مؤثرة في السابق في اتخاذ القرارات السياسية وتحقيق مطالب الشغيلة والأجراء، تحولت إلى تنظيم خاضع للتحكم والوصاية من قبل القيادة السياسية للحزب، التي تستغل النقابة أو النضال النقابي لفائدتها من أجل تحقيق مكاسب ومصالح، وجعل النقابة في خدمتها لكي تكون إلى جانبها خلال الانتخابات التشريعية المقبلة شتنبر 2026، خاصة وأن الأحزاب الكبرى، سواء الاستقلال أو الأصالة والمعاصرة أو الأحرار، وغيرها، تراهن على بعض النقابات المقربة منها من أجل الوصول إلى الصدارة، وبذلك أصبحت النقابات أصبحت خاضعة للشأن الحزبي ومكلفة بتطبيق أجندة الأحزاب على المستوى الاجتماعي والعمل الجماهيري من أجل تقوية حضورها على الميدان، واستعمال ذلك ورقة انتخابية من أجل تحقيق مصالحها السياسية.
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي والأستاذ الجامعي محمد العمراني بوخبزة، أن علاقة السياسي بالنقابي دائما كانت مطروحة وليست وليدة اليوم، وعلاقة النقابات والأحزاب وطيدة جدا إلى درجة أن الأحزاب السياسية الكبرى بطبيعة الحال حاولت خلق أذرع نقابية لكي يكون لها امتداد اجتماعي على الأقل، وفي الكثير من الأحيان كانت دائما تسعى إلى امتلاك الأغلبية في النقابات لكي يكون لها نوع من السلم الاجتماعي الذي يسمح لها بالاشتغال بشكل سلس ودون ضغوطات اجتماعية.
وأضاف نفس المتحدث، أن هناك رغبة لدى الأحزاب للاستفادة من قوة التنظيم لدى النقابات في الانتخابات المقبلة، لذلك قد تقع بعض التوترات قبل الاستحقاقات بين الجناح النقابي وقيادة الحزب، وهذا ما لاحظناه في أكثر من مناسبة وليس مناسبة واحدة، وفي الفترة الراهنة، هناك علاقة نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بحزب الاستقلال وعلاقة ذلك بالاستحقاقات المقبلة، وهذا أمر ليس بجديد، لأنه يتزامن مع الحديث عن نتائج انتخابات 2026، التي ربما قد تعيد تشكل المشهد الحزبي وإعادة ترتيب الأحزاب السياسية بناء على النتائج المحصل عليها، وحاجة الأحزاب لموقف النقابة، الذي يجب أن يكون منسجما بشكل أو بآخر مع توجهات الحزب، معتبرا أن الاتحاد المغربي للشغل عبر تاريخه كان يحاول دائما أن يبقى مستقلا، ولكن كانت هناك تمثيلية لبعض الأحزاب السياسية داخل قيادة النقابة، مثل حزب التقدم والاشتراكية وحضوره داخل النقابة، كما أن علاقته مع حزب الأحرار كانت تشكل تحالفا مرتبطا بانتخابات 2021، في حين أن العلاقة بين حزب الاستقلال ونقابة مرتبطة برغبة الحزب في الفوز بالمرتبة الأولى في الانتخابات، عكس ما كان في السابق، أي إعادة توجيه النقابة، خاصة على مستوى القيادة، وهو ما اقتضى ترتيب الأوراق على مستوى النقابة. وبالنسبة لحزب الاتحاد الاشتراكي، يقول بوخبزة، أنه لم تعد للنقابة الوطنية للتعليم (فدش) تلك القوة التي كانت لها في المراحل السابقة، حيث قام الكاتب الأول للحزب بتطويع النقابة وجعلها تصطف بشكل أوتوماتيكي وراء الحزب، لأنه يعلم تاريخها، بينما في حزب العدالة والتنمية، فإن عودة بن كيران جعلته يمسك بجميع مؤسسات الحزب ومنها نقابة الاتحاد الوطني للشغل، وهذا ما يعطي الصورة بأن الأمر يتعلق بوجود انسجام بين مواقف نقابة الاتحاد الوطني للشغل والحزب.
من جهته، يؤكد زهر الدين الطيبي، أستاذ العلوم السياسية والقانونية، أن هناك تأثيرا واضحا للأحزاب السياسية على النقابات، يصل أحيانا إلى درجة كبيرة من التحكم أو التحكم غير المباشر وحتى المباشر، ولكن المسألة ليست مطلقة، قد تختلف حسب السياق والتوازنات وحسب الفترة، هل هي انتخابية أم لا، لكون الأحزاب في الواقع تؤثر في النقابات من خلال عدة آليات، منها دعم مرشحين داخل الأجهزة القيادية للنقابة، إذ نجد أن النقابي يكون دائما عضوا في المكتب السياسي لهذا الحزب أو ذاك، ونجد قيادات نقابية لها انتماء حزبي واضح، وتقوم بتوجيه مواقف النقابة في قضايا سياسية أو اجتماعية كبرى، واستعمال النقابات كوسيلة ضغط أو تعبئة انتخابية، خصوصا عندما تكون هناك قوانين لها حساسية في المجتمع أو مسائل ترتبط بالنقاش العمومي، وفي بلادنا نعيش هذه الارتباطات التاريخية بين بعض النقابات وأحزاب معينة، على غرار الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، وحتى النقابة الوطنية للتعليم العالي، وغيرها من النقابات، وهذه العلاقة لا تعني تحكما كاملا، وإنما تشير إلى وجود تقاطعات بين المصالح والتوجهات.
وحسب ذات المتحدث، فإن هناك تراجعا نسبيا للفاعل النقابي في مواجهة ما يسمى بالتغول السياسي، وطبعا هذا جاء نتيجة تفاعل عدة عوامل بنيوية وسياسية، منها مظاهر تراجع في السنوات الأخيرة، وهناك أيضا ضعف القدرة التعبوية للنقابات مقارنة بفترات سابقة، أي تراجع نسبة الانخراط خاصة لدى الشباب، وفي القطاع غير المهيكل هناك محدودية تأثير الإضرابات في فرض تنازلات كبرى من طرف صناع القرار، وانتقال جزء من الصراع الاجتماعي إلى الفضاء السياسي والمؤسساتي بدل النقابات. إذن، هذا التداخل الحزبي هو الذي جعل العلاقة الوثيقة بين الأحزاب وبعض النقابات مثل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب مثلا مع حزب الاستقلال تجعل القرار النقابي أحيانا خاضعا لحسابات سياسية، وتكون هناك أولويات اجتماعية تتراجع أمام التوازنات الحزبية، وهذا يضعف صورة النقابة كمدافع مستقل عن الشغيلة، وهناك عوامل أخرى لا تقل أهمية: التغول السياسي، تحولات سوق الشغل، هشاشة العمل، واتساع القطاع غير المهيكل، كما أن هناك العولمة والاقتصاد وتضييق هامش التفاوض الاجتماعي لصالح منطق السوق، وأيضا تعدد النقابات وتشتت الجهود النقابية وغياب جبهة موحدة، بالإضافة إلى ضعف التجديد الداخلي.
وأوضح نفس المتحدث، أن هذا الارتباط يجعل التداخل بين السياسي والنقابي قويا، لذلك فإن أي تغيير في القيادة النقابية غالبا ما يتغير بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال التوازنات داخل الحزب، فمثلا حميد شباط، كان شخصية قوية تجمع بين الزعامة الحزبية والنقابية، لكن مساره عرف توترات داخل حزب الاستقلال، لذلك جاء صعود النعم ميارة لإعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب، بعد مرحلة من الخلافات، ويمكن اعتبار ما حدث مؤشرا على تأثير قوي للحزب، لأن نفس النخبة السياسية تلعب دورا مزدوجا في الحقلين معا، ومن زاوية ثانية، هناك دينامية داخلية وصراعات وتحالفات داخل النقابة نفسها، وهناك تشابك عضوي بين الحزب والنقابة، حيث تؤثر التحولات الحزبية على القيادة النقابية، وبالتالي، يمكن القول بوجود تراجع في قوة النقابات يساهم فيه التداخل مع الأحزاب إلى جانب عوامل اقتصادية واجتماعية، ويبقى التحدي اليوم هو استعادة النقابات للاستقلالية والمصداقية، لأن النقابة القوية لا تكون ضد السياسة، لكنها لا يجب أن تكون تابعة لها.
بدوره، يقول المحلل السياسي محمد بنساسي، أنه لا يمكن فهم الجدل المرتبط بعلاقة الأحزاب السياسية مع النقابات دون استحضار الطبيعة البنيوية لهذا الارتباط، الذي يتجاوز مجرد التأثير والتأثر الظرفي إلى مستوى من التداخل التاريخي والوظيفي، حيث أن عددا من المركزيات النقابية في المغرب نشأت من رحم أحزاب سياسية كما هو الشأن بالنسبة لنقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذي تأسس داخل حزب الاستقلال وعلى أيدي زعمائه سنة 1960، وهو ما يجعلها، في لحظات معينة، تؤدي دورا مزدوجا: تأطير الشغيلة والدفاع والترافع عن حقوقها ومصالحها من جهة، والمساهمة في التوازنات السياسية من جهة أخرى.
ويضيف المتحدث ذاته، أنه يصعب من الناحية التحليلية، الحديث عن تحكم مطلق للأحزاب السياسية في قرارات واختيارات أذرعها النقابية، لأن هذا الطرح يغفل الطبيعة المركبة والمعقدة للعلاقة التي تجمع الطرفين، والتي تتراوح بين التأثير والتأثر والتفاعل أكثر، مما تقوم على الهيمنة الأحادية، أي هيمنة القرار السياسي الحزبي على القرار النقابي، رغم أن بعض المركزيات النقابية، كالاتحاد العام للشغالين بالمغرب والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، نشأت في سياق حزبي واضح وتصنّف ضمن الامتدادات التنظيمية لأحزابها، إلا أن هذا المعطى لا يكفي للقول بوجود تحكم كامل ومباشر في كل تفاصيل القرار النقابي، موضحا أن هناك نوعا من التبعية في توصيف واقع هذه العلاقة التي تربط الحزب بذراعه النقابي، ولكنها تبعية لا تلغي بالضرورة وجود هامش ولو بسيط من الاستقلال والحرية في اتخاذ القرارات والمبادرات، لا سيما في القضايا المرتبطة مباشرة بالمصالح المهنية والاجتماعية للطبقة الشغيلة، معتبرا أنه بالنسبة لحالة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، فإن طبيعة حزب العدالة والتنمية، التي تتسم بقدر لا بأس به من المأسسة والممارسة الديمقراطية الداخلية، تنعكس إيجابا على طبيعة العلاقة مع ذراعه النقابي، حيث يلاحظ من خلال المواقف الصادرة عن ذراعه النقابي أن هناك هامشا واسعا من الحرية في التعاطي مع القضايا التي تهم الشغيلة، بمعنى أنه كلما تعززت الديمقراطية الداخلية في الممارسة الحزبية داخل الحزب السياسي، واتسعت دوائر النقاش والمشاركة في صناعة القرار، كلما انعكس ذلك إيجابا على مبدأ استقلالية المركزية النقابية التابعة له وحرية اختياراتها.
إن الوصاية الحزبية على النقابات تؤكدها احتفالات فاتح ماي، التي تستغلها الأحزاب لتمرير رسائلها، ومحاولة التأثير على الطبقة العمالية وشغيلة القطاعات الأساسية، مثل التعليم والصحة، حيث تسعى الأحزاب إلى تعويم المنظمات النقابية تحت لوائها من خلال إشراك بعض النقابيين ضمن العمل السياسي أو فرض بعض الأسماء داخل قطاعات نقابية، من أجل ضمان الولاء والتبعية واستغلال النضال النقابي لخدمة التوجه السياسي، ومن ناحية أخرى، تظهر بعض التحالفات بين بعض الأحزاب والنقابات المستقلة، وذلك من أجل توجيه أتباعها نحو صناديق الاقتراع لخدمة حزب سياسي معين خلال الانتخابات التشريعية أو المهنية، بهدف الوصول إلى المقاعد والمناصب، بينما تبحث قيادات بعض النقابات عن دعم حزبي خلال مرحلة الحوار الاجتماعي، من أجل تحقيق بعض المكاسب للترويج لها وسط الشغيلة والطبقة العمالية.
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي
