في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، يبرز سؤال جوهري حول قدرة الفاعل السياسي على مواكبة هذه المرحلة الدقيقة؛ فقد أصبح من الواضح أن تشتت الجهود الحزبية وتغليب الحسابات الضيقة لم يعد يخدم مصلحة الوطن، بل يضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات. من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في طبيعة التحالفات السياسية، والدفع نحو تفاهم حقيقي بين الأحزاب الوطنية ذات الامتداد التاريخي، كحزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى جانب أحزاب اليسار، من أجل تشكيل حكومة وطنية قوية وقادرة على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.
إن فكرة تكتل الأحزاب الوطنية ليست مجرد خيار سياسي ظرفي، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة؛ فالمغرب اليوم يواجه تحديات متعددة، تتراوح بين تعزيز التنمية الاقتصادية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، ومواكبة التحولات الدولية، وصولا إلى ترسيخ الثقة في العمل السياسي، وهذه الأهداف لا يمكن تحقيقها في ظل التشتت والانقسام، بل تتطلب جبهة سياسية موحدة تقوم على برنامج واضح وإرادة صادقة.
الأحزاب الوطنية الكبرى تمتلك رصيدا نضاليا وتاريخيا مهما، كما أن أحزاب اليسار تحمل مشاريع فكرية واجتماعية قادرة على إغناء النقاش العمومي. وعندما تلتقي هذه المكونات على أرضية مشتركة، فإنها تستطيع أن تفرز نخبا سياسية قادرة على الابتكار واتخاذ القرار المسؤول، بعيدا عن منطق الصراع الإيديولوجي العقيم.
من جهة أخرى، فإن الشعب المغربي، وخاصة الطبقة المتوسطة، أبان عن وعي كبير ونضج سياسي ملحوظ. هذا الوعي يفرض على الفاعلين السياسيين الارتقاء إلى مستوى تطلعات المواطنين، من خلال تقديم نماذج لسياسيين مثقفين، نزهاء، وقادرين على تحمل المسؤولية بروح وطنية عالية، فالثقة لا تُمنح مجانا، بل تُبنى عبر الممارسة الجادة والشفافية والمحاسبة.
إن المدخل الحقيقي لأي إصلاح سياسي، يكمن في مراجعة الذات، والاعتراف بالأخطاء، والعمل على تصحيحها بإرادة سياسية حقيقية، فلا يمكن الحديث عن مصالحة مع الشعب دون ربط المسؤولية بالمحاسبة، ودون القطع مع ممارسات أضعفت مصداقية العمل السياسي، لأن خدمة الصالح العام يجب أن تكون البوصلة التي توجه كل الفاعلين بعيدا عن المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة.
كما أن تشكيل حكومة وطنية قوية لا يعني إلغاء الاختلاف، بل تدبيره بشكل ديمقراطي يثري التجربة السياسية ويعززها، فالتعددية تبقى عنصر قوة، لكن بشرط أن تُوظف لخدمة الوطن لا لتعطيل مسيرته.
أمام هذه المعطيات، يظل السؤال مطروحا: هل تمتلك الأحزاب السياسية اليوم الشجاعة الكافية لتجاوز خلافاتها وتغليب مصلحة الوطن؟ وهل يمكن أن نشهد ميلاد جبهة وطنية حقيقية تعيد الثقة للمواطن وتؤسس لمرحلة جديدة من العمل السياسي المسؤول؟ ثم، أليس الوقت قد حان لظهور نخبة سياسية جديدة تجمع بين الكفاءة والنزاهة والالتزام؟ وأخيرا، هل تتحول إرادة الإصلاح إلى فعل ملموس يحقق تطلعات الشعب المغربي في العدالة والكرامة والتنمية ؟
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

