نذرة النقود الصفراء و أرباح استثنائية للأسواق الكبرى

4،4 مليار درهم هو حجم النقود المعدنية التي يستعملها ملايين المستهلكين. و يتسبب هذا الحجم في حرج بين التاجر و المستهلك في كثير من الأسواق، و على الخصوص في الأسواق الكبرى. و سيظل السؤال المنطقي لماذا لا تنتج دار السكة المزيد من النقود المعدنية. هل تكلفة الإنتاج أكبر من قيمتها الاسمية، أم أن هناك مخطط للاستغناء عن نقود قد لا تستعمل مستقبلا إلا كتذكارات عن زمن تعامل مالي تولى!!!

يلاحظ الكثير من مرتادي الأسواق الكبرى عدم توفر القطع النقدية الصفراء لدى كثيرا من صناديق الأداء. يعتذر موظف الصندوق، في غالب الأحيان بأدب، عن عدم إمكانية رد ما تبقى من تكلفة التسوق حين يقل المبلغ المطلوب بالدرهم تليه بعد الفاصلة ما دون 95 سنتيما . لا يوجد هذا المشكل لدى التجار الصغار حيث يحدد سعر المواد الغذائية بالدراهم فقط. و تلجأ الأسواق الكبرى عادة إلى وضع أسعار تقل عن العشرات و المئات و الآلاف ببعض الدراهم و السنتيمات. و لأن كميات النقود المعدنية التي تنتجها دار السكة أصبحت غير كافية بالنسبة للمستهلكين، فقد أصبح لزاما طرح سؤال ما يتراكم من أموال جراء تسامح الكثيرين عن استرداد القطع النقدية الصفراء.

كان سبب طرح هذا الموضوع نقاش مع أحد قدماء المسؤولين بإدارة الضرائب. تساءل بمهنية عن المستفيد من المبالغ التي تدخل صناديق الأسواق الكبرى كل يوم و التي تتجاوز المداخيل التي تسجلها الفواتير على أساسها احتساب الوعاء لكثير من الضرائب. هل تعد هذه المداخيل الاستثنائية أرباحا لا يتم احتسابها ضريبيا لفائدة أصحاب تلك الأسواق الكبرى، أم يستفيد منها المكلفين بصناديق. و يفضل أن يستفيد منها هؤلاء نظرا لضعف اجورهم و مستوى الضغط النفسي المرتبط بمسؤوليتهم .

و قد وجب البحث عن السبب في تراجع كميات النقود المعدنية، و خصوصا منها تلك الصفراء التي تربك العلاقة بين المستهلك و الأسواق الكبرى. تشير تقارير بنك المغرب أن العملات المعدنية ببلادنا لا تتجاوز 4،4 مليار درهم . و يعد هذا المبلغ ضئيلا جدا بالنسبة لبلد مثل المغرب، و الذي لا زال مواطنوه يتعاملون بالعملة المعدنية على أوسع نطاق. و للتذكير فإن الكتلة النقدية الورقية و المعدنية قد و صل مبلغها، حسب بنك المغرب إلى أكثر من 511 مليار درهم. و يعتبر هذا الرقم الأخير مؤشرا على دور ما يسمى " بالكاش " في المعاملات التجارية ببلادنا. و يعد كذلك منطقة مخاطر لتفشي الرشوة و الاداءات غير القانونية التي تعتبر " عادية " لدى الكثير من المؤسسات الخدماتية و خصوصا تلك التي تتم، تحت الظلام، في عديد من المصحات و الشركات الخاصة. حاولت أن لا أقارن العملات النقدية بإجمالي الكتلة النقدية أو ما يسمى لدى المؤسسات المالية حسب ضوابط المؤسسات المالية الدولية ب " م 3". و ذلك لأن حجم هذه الكتلة كبير جدا بالنسبة لموضوع العملات المعدنية.

صحيح أنه يجب المرور إلى مرحلة متقدمة في مجال استخدام طرق الأداء الإلكترونية للحد من الهوامش التي تنتج تبييض الأموال غير المشروعة، و تلك التي تشجع على الرشوة. و لكن واقع بلادنا يتطلب نوعا من التعامل العقلاني مع واقع الأسواق الشعبية التي توجد في أغلب مدننا و في العالم القروي. و قد يمتد الأمر إلى بعض الممارسات التي تشجع ظاهرة التسول الذي أصبح مهنة مدرة لدخل لا تتيحه ممارسة مهن منتجة لخدمات أو حتى لقيمة مضافة في قطاع الخدمات و الإنتاج الفلاحي. و لكل ما سبق وجب إتخاذ الإجراءات اللازمة لتحديد أسعار السلع و الخدمات بالدرهم و ليس بالسنتيمات التي لا تتوفر لدى الجميع. و نفس الإجراءات يجب أن تدفع بنك المغرب إلى ربط إنتاج حجم النقود المعدنية باحتياجات أغلبية المستهلكين الذين يقصدون الأسواق، و خصوصا الشعبية منها، و ذلك لحمايتهم من مخاطر إستغلال غير مقبول، و يضغط على هامش قدرتهم الشرائية من خلال نذرة النقود المعدنية، بما فيها الصفراء. و ما أصعب تلك اللحظات الخطيرة التي يكون خلالها المواطن قابلا للاذعان أمام بعض مديري المصحات الذين يربطون حالات الاستعجال بشيك ضمان، أو بمبلغ من الأوراق النقدية قبل تقديم الخدمة الصحية المطلوبة. و نفس الشيء يشوه أرقام المعاملات العقارية التي تحول، السكن الإقتصادي بفعل " النوار" إلى سكن موجه لطبقة وسطى. و لا زال الأمر على ما هو عليه...


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
2M.ma منذ 10 ساعات
جريدة كفى منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 8 ساعات
موقع بالواضح منذ 7 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 10 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 7 ساعات