بعد مرور أكثر من 15 ساعة على حلول عيد الأضحى، لم يكن حديث كثير من المغاربة عن أجواء العيد وحدها، بل عن سؤال أكثر إزعاجاً: كيف أعلنت الجهات الرسمية وفرة في الأضاحي، بينما خرج مواطنون يشتكون من الغلاء، والندرة، والبحث المتعب عن كبش مناسب في الساعات الأخيرة؟
هذا السؤال لم يعد تفصيلاً موسمياً. إنه يضرب في عمق الثقة بين المواطن والرقم الرسمي. فإذا كان البلاغ يقول إن العرض متوفر، بينما يقول السوق إن الأضحية صارت نادرة أو فوق قدرة الأسر، فالمشكلة لم تعد فقط في ثمن الكبش، بل في معنى الوفرة نفسها.
وزارة الفلاحة كانت قد أعلنت، بحسب ما نشرته البوابة الرسمية للمملكة، أن العرض الوطني من الأغنام والماعز الموجهة لعيد الأضحى 1447 هـ يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، مقابل طلب مقدر بين 6 و7 ملايين رأس، أي إن العرض، على الورق، يتجاوز الطلب.
لكن ما عاشه مواطنون في عدد من الأسواق، حسب شهادات متداولة ومتابعات إعلامية، لم يكن يترجم هذه الوفرة إلى أضحية مناسبة بثمن معقول. ففي الأيام الأخيرة قبل العيد، تحدثت تقارير عن شكاوى من ارتفاع الأسعار، حيث وصلت الأضاحي في بعض الحالات إلى 7.5 آلاف و8 آلاف درهم، حسب الحجم والسلالة والجودة.
هنا تبدأ المفارقة. فقد تكون الأضاحي موجودة في الحساب الوطني العام، لكن المواطن لا يشتري من رقم وطني، بل من رحبة محددة، في مدينة محددة، وفي لحظة محددة. لذلك، إذا لم تصل الوفرة إلى السوق المحلي، أو وصلت عبر وسطاء رفعوا الأسعار، أو احتُجز جزء من العرض في انتظار ذروة الطلب، فإن الرقم الرسمي يفقد قيمته العملية في نظر المستهلك.
ولا يمكن تجاهل أن مجلس المنافسة نفسه دخل على خط الموضوع. فقد قبل طلب رأي رئيس الحكومة بشأن اتخاذ تدابير مؤقتة لتنظيم أسواق أضاحي العيد، في سياق الحديث عن ضرورة ضمان شفافية المعاملات داخل الأسواق المخصصة للبيع.
الأكثر دلالة أن تقارير نقلت عن رأي مجلس المنافسة وجود عوامل لا ترتبط فقط بالطلب الموسمي، بل بممارسات قد تضخم الأسعار، منها نشاط الوسطاء في إعادة البيع بهدف المضاربة، والتخزين غير المشروع، وخلق ندرة مصطنعة تؤثر على توازن السوق.
إذا صحت هذه القراءة، فإن المشكلة لا تكون في عدد الرؤوس وحده، بل في الطريق الذي تسلكه هذه الرؤوس من الضيعة إلى يد المواطن. فقد يكون القطيع متوفراً، لكن السوق مختنق بالوسطاء. وقد يكون العرض كافياً، لكن التوزيع غير عادل. وقد تكون الحكومة أعلنت رقماً صحيحاً على المستوى الكلي، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: هل وجد المواطن أضحية مناسبة في السوق بثمن يناسب دخله؟
هذا الفرق بين وفرة وطنية و وفرة قابلة للشراء هو جوهر الأزمة. فالوفرة التي لا تخفض السعر لا تقنع المواطن. والرقم الذي لا يظهر أثره داخل الرحبة يصبح رقماً معلقاً في البلاغات. ولذلك، لا غرابة أن يتساءل الناس: من نصدق؟ الوزير الذي يتحدث عن الوفرة، أم السوق الذي استقبلهم بأسعار ملتهبة؟
المواطن لا يرفض الرقم الرسمي لأنه يريد التشكيك من أجل التشكيك. هو يرفضه عندما لا يراه في حياته اليومية. حين يسمع أن العرض يفوق الطلب ثم يعجز عن شراء أضحية بثمن معقول، يشعر بأن هناك حلقة مفقودة. وحين يسمع عن إجراءات تنظيمية ثم يرى المضاربة أو الندرة، تتعمق فجوة الثقة.
ومن الخطأ اختزال النقاش في هل كانت الأضاحي موجودة أم لا؟ . السؤال الأدق هو: أين كانت؟ وبأي ثمن؟ ومن تحكم في مسارها؟ وهل كانت متاحة بالقدر نفسه في المدن الكبرى والمناطق الداخلية والأسواق القروية؟ وهل كان المواطن العادي قادراً على الشراء، أم وجد نفسه أمام سوق لا يرحم؟
كما أن توقيت الأزمة له دلالة. فبعد أكثر من 15 ساعة من العيد، خرجت شكاوى كثيرة لأن الناس لم يعودوا يتحدثون عن توقعات، بل عن تجربة مباشرة: من بحث ولم يجد، من وجد بثمن يفوق قدرته، من عاد دون أضحية، ومن اضطر إلى قبول خيار أقل مما كان ينتظر. هذه ليست أرقاماً في تقرير، بل وقائع اجتماعية تمس كرامة الأسر وفرحة الأطفال وطمأنينة المناسبة.
والأخطر أن استمرار هذا التناقض بين الخطاب الرسمي وواقع السوق قد يضعف ثقة المواطن في أرقام أخرى مستقبلاً. فإذا قيل له في ملف آخر إن العرض كافٍ، أو المخزون مطمئن، أو الأسعار تحت السيطرة، سيتذكر تجربة العيد ويسأل: هل هذا رقم يعكس الواقع، أم رقم لا يظهر إلا في البلاغات؟
الثقة في الأرقام لا تُبنى بالإعلان عنها فقط، بل بقدرة المواطن على لمس آثارها. الرقم الجيد هو الذي يفسر الواقع، لا الذي يصطدم به. والبلاغ الناجح هو الذي يشرح أين توجد الوفرة، وكيف ستصل إلى المواطن، ومن سيراقب الوسطاء، وما هي آليات التدخل إذا انفلتت الأسعار.
من جهة أخرى، لا ينبغي إنكار أن الكسابة أنفسهم واجهوا كلفة مرتفعة بسبب الأعلاف والنقل والجفاف ومصاريف التربية. لكن هذا التفسير لا يكفي وحده لإقناع المواطن عندما يسمع في الوقت نفسه عن الدعم ووفرة العرض. فالناس لا يطالبون بأن يخسر المربي، بل يريدون أن يعرفوا لماذا تتحول كل الكلفة، في النهاية، إلى عبء على المستهلك وحده.
لقد كشف عيد الأضحى أن السوق ليس رقماً بسيطاً. السوق سلسلة طويلة: مربي، علف، نقل، رحبة، رسوم، وسيط، بائع، ومستهلك. وإذا لم تُراقب كل حلقة، فإن الدعم قد يتبخر قبل أن يصل أثره إلى جيب المواطن. والوفرة قد تُحتجز أو تُعاد تسعيرها أو تُوجه نحو من يدفع أكثر.
لذلك، فالجواب عن سؤال من نصدق؟ لا يجب أن يكون عاطفياً. لا نصدق البلاغ وحده، ولا الشكوى وحدها. نصدق الواقع عندما تدعمه الأرقام المفصلة. المطلوب الآن ليس الدفاع عن رقم 8 أو 9 ملايين رأس، بل نشر تقييم دقيق: كم رأساً دخلت كل سوق؟ ما متوسط السعر حسب السلالة والحجم؟ كم عدد الوسطاء؟ كم مخالفة سجلت؟ هل وُجد تخزين أو مضاربة؟ وما أثر الدعم على السعر النهائي؟
بدون هذه المعطيات، سيبقى المواطن أمام معادلة قاسية: بلاغ يتحدث عن وفرة، وسوق يقول له ادفع أكثر أو عد خالي اليدين. وهذا بالضبط ما يجعل الأزمة أكبر من عيد الأضحى.
إن استعادة الثقة تبدأ بالاعتراف بأن الوفرة المعلنة لم تكن كافية لطمأنة المواطن. قد تكون الأرقام الرسمية صحيحة من حيث العدد الإجمالي، لكنها ناقصة من حيث التفسير. فالسياسة العمومية لا تُقاس بعدد الرؤوس فقط، بل بقدرة الأسر على الوصول إليها بثمن عادل وفي ظروف واضحة.
هذا، ولم يكن الكبش هذا العام مجرد أضحية. كان اختباراً لثقة المواطن في السوق، وفي الرقابة، وفي البلاغ الرسمي. وبعد 15 ساعة من العيد، ظهر أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل كانت الأضاحي موجودة؟ بل: لماذا لم يشعر المواطن بوجودها عندما احتاج إليها؟
يمكن تمرير الجدول أفقيا لمشاهدة جميع المعطيات
المستوى ما تقوله المعطيات السؤال الذي يطرحه المواطن الرقم الوطني العرض المعلن بين 8 و9 ملايين رأس، مقابل طلب بين 6 و7 ملايين. إذا كان العرض يفوق الطلب، لماذا لم تنخفض الأسعار؟ السوق المحلي شكاوى من غلاء وندرة في عدد من الرحبات خلال الساعات الأخيرة. هل وصلت الوفرة فعلا إلى المدن والأسواق التي قصدها المواطنون؟ الوسطاء مجلس المنافسة تحدث عن مخاطر المضاربة والندرة المصطنعة. من راقب حلقات إعادة البيع قبل الوصول إلى المستهلك؟ الثقة البلاغات تحدثت عن وفرة، لكن التجربة الميدانية لكثيرين كانت مختلفة. كيف سيصدق المواطن الأرقام المقبلة إذا لم تفسر ما عاشه؟
ما الذي يجب أن تعرفه؟ أزمة الأضاحي لم تكشف فقط غلاء الأسعار، بل كشفت فجوة بين أرقام الوفرة المعلنة وتجربة المواطن داخل السوق. لذلك، يحتاج الملف إلى تقييم شفاف يشرح أين اختفت آثار الوفرة.
الرقم الرسمي أعلن عرضاً يفوق الطلب، لكن الأسعار بقيت مرتفعة في أسواق عدة.
وجود الوسطاء والمضاربة قد يحول الوفرة العددية إلى ندرة فعلية أمام المستهلك.
الثقة في الأرقام الرسمية تحتاج إلى تفاصيل ميدانية، لا إلى بلاغات عامة فقط.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
