في عالم الذكاء الاصطناعي، لا تُقاس القوة فقط بعدد النماذج أو سرعة الخوارزميات، بل أيضاً بمكان تصنيع الرقائق التي تشغل هذا السباق. ومن قلب تايبيه، بعث جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، رسالة واضحة إلى السوق العالمية: تايوان لم تعد مجرد حلقة في سلسلة التوريد، بل أصبحت، في نظر أكبر شركة رقائق ذكاء اصطناعي في العالم، مركزاً أساسياً للثورة المقبلة.
التصريح الأبرز جاء حين قال هوانغ إن إنفيديا تنفق حالياً نحو 100 مليار دولار سنوياً في تايوان، وتتجه إلى رفع هذا الرقم إلى حوالي 150 مليار دولار سنوياً. الرقم ضخم، لكنه يحتاج قراءة دقيقة: الحديث هنا لا يتعلق بالضرورة باستثمار رأسمالي مباشر في مصنع واحد، بل بإنفاق واسع داخل منظومة تصنيع وتجميع واختبار وبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعتمد عليها الشركة.
بحسب ما نقلته رويترز، تحدث جينسن هوانغ خلال احتفال إطلاق مقر إنفيديا المخطط له في تايوان، مؤكداً أن الشركة كانت قبل أربع أو خمس سنوات تنفق بين 10 و15 مليار دولار سنوياً في البلاد، قبل أن يرتفع الرقم إلى نحو 100 مليار دولار، مع توجه للوصول إلى 150 مليار دولار سنوياً. كما وصف تايوان بأنها مركز أو قلب ثورة الذكاء الاصطناعي، في إشارة إلى الدور الذي تلعبه الجزيرة في الرقائق المتقدمة والتغليف والأنظمة الكاملة.
هذا الوصف لا يبدو عاطفياً فقط، رغم أن هوانغ مولود في تايوان وله ارتباط شخصي بالجزيرة. فتايوان تضم عدداً من أهم شركاء إنفيديا في العالم، وعلى رأسهم TSMC في تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة، إلى جانب شركات مثل Foxconn وWistron وQuanta في تجميع الخوادم والأنظمة والحواسيب الفائقة الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
من المهم في هذا الخبر عدم تحويل الرقم إلى عنوان مبسط يوحي بأن إنفيديا ستبني مشروعاً واحداً بقيمة 150 مليار دولار كل سنة. المعنى الأقرب، وفق سياق التصريح، هو حجم المشتريات والطلبيات والتعاملات الصناعية التي تضخها إنفيديا داخل منظومة تايوان، من الرقائق إلى التغليف المتقدم، مروراً بلوحات الخوادم وأنظمة مراكز البيانات.
هذا التمييز مهم للقارئ لأن كلمة تنفق تختلف عن تستثمر . فالاستثمار غالباً يرتبط ببناء منشآت أو شراء أصول أو ضخ رأسمال مباشر، بينما الإنفاق السنوي قد يشمل عقود توريد، طلبيات تصنيع، مكونات، خدمات هندسية، تجميع، اختبار، شحن، ودعم لوجستي. ومع ذلك، يبقى الرقم مؤشراً قوياً على الحجم الهائل الذي بلغته منظومة الذكاء الاصطناعي حول إنفيديا.
إلى جانب رقم الإنفاق السنوي، أعلنت إنفيديا خططاً مرتبطة بمقرها الجديد في تايوان. ووفق المعطيات المتداولة، من المنتظر أن يبدأ العمل على المشروع هذا العام، على أن يصبح جاهزاً للتشغيل في حدود عام 2030. كما تشير التقارير إلى أن المقر قد يستوعب آلاف الموظفين، ما يعكس رغبة الشركة في تعميق وجودها قرب شركائها الصناعيين.
وجود مقر قوي في تايوان يمنح إنفيديا أكثر من عنوان إداري. فهو يضع فرقها أقرب إلى مصانع التصنيع والتجميع والاختبار، ويسهل التنسيق مع الموردين في وقت أصبحت فيه دورة تطوير رقائق الذكاء الاصطناعي أسرع وأكثر تعقيداً. كل تأخير في سلسلة التوريد يمكن أن يتحول إلى خسارة كبيرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بطلب عالمي ضخم على مسرعات الذكاء الاصطناعي.
تكمن أهمية تايوان في أنها تجمع بين خبرة التصنيع المتقدم والقدرة على الإنتاج بكميات ضخمة وشبكة موردين متخصصة. فشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى قد تصمم الرقائق في الولايات المتحدة أو أوروبا، لكن جزءاً أساسياً من تحويل التصميم إلى منتجات عملية يتم داخل آسيا، وتحديداً في تايوان.
بالنسبة لإنفيديا، لا يتعلق الأمر بالرقاقة وحدها. أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تحتاج إلى رقائق معالجة رسومية، ذاكرة عالية السرعة، تغليف متقدم، أنظمة تبريد، لوحات اتصال، خوادم، وربط داخل مراكز البيانات. هذه السلسلة لا يمكن بناؤها عبر شركة واحدة فقط، بل تحتاج إلى شبكة ضخمة من الشركاء، وهو ما تتوفر عليه تايوان بشكل استثنائي.
تصريحات هوانغ تحمل أيضاً رسالة أوسع: الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برمجيات أو نماذج لغوية، بل تحول إلى صناعة بنية تحتية عالمية. فكل نموذج متقدم يحتاج إلى مراكز بيانات، وكل مركز بيانات يحتاج إلى آلاف أو ملايين الرقائق، وكل رقاقة تحتاج إلى مصانع وموردين وطاقة وتبريد وسلاسل شحن مستقرة.
بهذا المعنى، تصبح تايوان بالنسبة لإنفيديا شبيهة بما كانت عليه مناطق النفط أو الموانئ الكبرى في مراحل صناعية سابقة: نقطة تمركز استراتيجية لا يمكن تجاهلها. فمن يملك القدرة على تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي وتوريدها بسرعة، يملك جزءاً مهماً من مستقبل الاقتصاد الرقمي.
الخطوة تأتي في وقت تتسابق فيه شركات أخرى أيضاً لتعزيز حضورها في تايوان وسلاسل توريد الذكاء الاصطناعي. فقد أعلنت AMD، وفق تقارير حديثة، خططاً لاستثمار أكثر من 10 مليارات دولار في منظومة الذكاء الاصطناعي بتايوان، في مؤشر على أن الجزيرة أصبحت ساحة تنافس بين عمالقة الرقائق وليس مجرد مورد تقني.
ورغم أن إنفيديا لا تزال اللاعب الأقوى في سوق مسرعات الذكاء الاصطناعي، فإن المنافسة تشتد من AMD، ومن شركات كبرى تطور شرائحها الخاصة مثل Google وAmazon وMeta، إضافة إلى محاولات صينية لبناء بدائل محلية. لذلك تبدو تايوان بالنسبة لإنفيديا ورقة تفوق يجب الحفاظ عليها وتعميقها.
لا يمكن فصل هذا الخبر عن البعد الجيوسياسي. تايوان تقع في منطقة شديدة الحساسية بسبب التوتر المستمر مع الصين، كما أنها في الوقت نفسه مركز لا غنى عنه لصناعة أشباه الموصلات العالمية. كلما زاد اعتماد الشركات الأمريكية والعالمية عليها، زادت أهميتها في الحسابات الاقتصادية والسياسية.
من جهة، يعكس إنفاق إنفيديا المتزايد ثقة في قدرات تايوان الصناعية. ومن جهة أخرى، يسلط الضوء على هشاشة محتملة في الاقتصاد العالمي: ماذا يحدث إذا تعرضت هذه السلسلة لأي اضطراب كبير؟ هذا السؤال أصبح مطروحاً بقوة لدى الحكومات والشركات، خصوصاً مع تضخم الطلب على شرائح الذكاء الاصطناعي.
بالنسبة للقارئ المغربي والعربي، قد يبدو الخبر بعيداً جغرافياً، لكنه قريب اقتصادياً. فكل توسع في إنفاق إنفيديا داخل تايوان ينعكس في النهاية على أسعار الخوادم، قدرة الشركات على بناء خدمات ذكاء اصطناعي، كلفة الحوسبة السحابية، وحتى سرعة وصول تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى الأسواق الناشئة.
كما أن الخبر يطرح درساً استراتيجياً للدول الصاعدة: القيمة الكبرى في الاقتصاد الرقمي لا تأتي فقط من استعمال التكنولوجيا، بل من المشاركة في سلاسل تصنيعها وخدماتها. المغرب، الذي يطور قطاعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة والخدمات الرقمية، يمكنه قراءة هذا التحول كإشارة إلى أهمية بناء كفاءات في الإلكترونيات، مراكز البيانات، الطاقات النظيفة، والتكوين التقني المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
رغم قوة الرسالة، توجد مخاطر يجب عدم تجاهلها. أولها أن الطلب على الذكاء الاصطناعي قد يعرف دورات صعود وهبوط، كما يحدث في كل موجة تكنولوجية كبرى. ثانيها أن الاعتماد الكبير على منطقة واحدة في التصنيع يجعل الشركات عرضة لأي اضطراب سياسي أو طبيعي أو طاقي. وثالثها أن تضخم الإنفاق قد يرفع الضغط على موارد الطاقة والمياه والبنية التحتية في تايوان.
هناك أيضاً سؤال تنظيمي وأخلاقي: كلما زادت قدرة الشركات على إنتاج بنية تحتية عملاقة للذكاء الاصطناعي، زادت الحاجة إلى نقاش حول استخدام هذه القدرات، وحول من يتحكم في نماذج الذكاء الاصطناعي، ومن يستفيد منها، ومن يتحمل كلفتها البيئية والاجتماعية.
تصريح جينسن هوانغ بأن إنفيديا تتجه إلى إنفاق 150 مليار دولار سنوياً في تايوان ليس رقماً عادياً في خبر اقتصادي عابر. إنه إعلان عن انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة البرمجية إلى مرحلة الصناعة الثقيلة، حيث تصبح الرقائق والمصانع والطاقة وسلاسل التوريد عناصر مركزية في المنافسة العالمية.
تايوان، كما قدمها هوانغ، ليست فقط مورداً لإنفيديا، بل منصة كاملة تقوم عليها موجة الذكاء الاصطناعي الحالية. وإذا كانت النماذج الذكية تُبهر المستخدمين على الشاشات، فإن قلبها الحقيقي ينبض في مصانع وشبكات تصنيع دقيقة، أصبحت اليوم واحدة من أهم ساحات الاقتصاد العالمي الجديد.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
