تواصل ظاهرة الباعة الجائلين فرض نفسها داخل عدد من المدن، وهو مشهد يعكس حجم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت آلاف الأشخاص إلى احتلال الأرصفة والساحات العمومية بحثا عن مورد رزق يضمن الحد الأدنى من العيش، في مقابل تصاعد حملات السلطات المحلية الرامية إلى تحرير الملك العمومي وتنظيم الفضاءات الحضرية.
وباتت شوارع وأحياء كثيرة، خاصة داخل المدن الكبرى، تعرف انتشارا واسعا للباعة الجائلين الذين يعرضون مختلف السلع والمنتوجات، من الخضر والفواكه إلى الملابس والأطعمة الجاهزة والإكسسوارات، مستفيدين من الإقبال الكبير للمواطنين على الأسعار المنخفضة مقارنة بالمحلات التجارية والأسواق المنظمة.
مواجهة البطالة
ويقول عدد من الباعة الجائلين إن الظروف الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة دفعتهم إلى امتهان هذا النشاط، معتبرين أن البيع في الشارع أصبح بالنسبة إليهم خيارا اضطراريا أكثر منه مهنة مستقرة.
وفي هذا السياق، قال عبد القادر، وهو بائع متجول بمدينة الناظور، إن العمل في الشارع يبقى الوسيلة الوحيدة لتوفير قوت يومه، موضحا أنه حاول مرارا البحث عن عمل قار دون جدوى. مضيفا أن حملات المنع والمطاردة أصبحت جزءا من الحياة اليومية للباعة .
ومن جهتها، أكدت فاطمة، وهي بائعة متجولة تشتغل ببيع الملابس المستعملة، أن عددا من النساء وجدن أنفسهن مضطرات للعمل في الأرصفة بسبب غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الحياة، مشيرة إلى أن الكثير من الأسر تعيش بشكل كامل من هذا النشاط غير المهيكل .
حماية الملك العمومي
وفي المقابل، تبرر السلطات المحلية حملاتها المتواصلة بضرورة حماية الملك العمومي وضمان انسيابية حركة السير والجولان، إلى جانب الحفاظ على النظام العام والشروط الصحية داخل المدن.
وتشهد عدد من المدن بين الفينة والأخرى حملات لتحرير الأرصفة والشوارع من الاحتلال العشوائي، وهي العمليات التي غالبا ما تثير جدلا واسعا بسبب الاحتكاكات التي تقع أحيانا بين الباعة وأعوان السلطات.
الهشاشة الاجتماعية
ويرى متابعون أن الظاهرة ترتبط بشكل مباشر بتنامي الاقتصاد غير المهيكل واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية، في ظل محدودية فرص الشغل داخل القطاع المنظم، خاصة بالنسبة إلى فئات واسعة من الشباب والأشخاص الذين لا يتوفرون على مؤهلات مهنية أو شهادات دراسية تسمح لهم بولوج سوق العمل بشكل مستقر.
كما يعتبر عدد من التجار وأصحاب المحلات التجارية أن انتشار الباعة الجائلين يخلق منافسة غير متكافئة، بالنظر إلى أن التجارة العشوائية لا تخضع للضرائب أو مصاريف الكراء والفواتير، وهو ما ينعكس، حسب تعبيرهم، على وضعية التجار النظاميين الذين يواجهون بدورهم ضغوطا اقتصادية متزايدة.
وقال حسن، وهو صاحب محل تجاري، إن التاجر النظامي يتحمل تكاليف كبيرة مقابل احترام القانون، بينما يبيع الباعة الجائلون أمام المحلات بأثمنة أقل ، مضيفا أن الوضع أصبح يهدد استقرار عدد من الأنشطة التجارية .
ويؤكد مختصون في الشأن الاجتماعي أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تتم فقط عبر المقاربة الأمنية أو حملات المنع، بل تتطلب حلولا اقتصادية واجتماعية توازن بين حق المواطنين في الشغل وضرورة احترام النظام العام داخل المدن.
هذا المحتوى مقدم من بلادنا 24
