الصين والذكاء الاصطناعي.. من دولة رقمية إلى دولة خوارزمية

جوهر المقاربة الصينية يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي لا يُترك فقط للسوق، ولا يُحصر في الشركات التكنولوجية الكبرى، بل يُدمج داخل رؤية الدولة. فالصين لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما تتعامل بعض الدول مع تطبيق جديد أو موجة تكنولوجية عابرة، بل تعتبره أحد مكونات القوة الوطنية الشاملة. لذلك جاء مفهوم AI Plus ليعبر عن فلسفة واضحة: الذكاء الاصطناعي زائد الصناعة، زائد التعليم، زائد الصحة، زائد الإدارة، زائد البنيات التحتية، زائد الأمن الاقتصادي.

في سنة 2024، بدأ هذا التحول يظهر بوضوح في الخطاب الرسمي الصيني، حيث تم تقديم الذكاء الاصطناعي كرافعة مركزية لتحديث الاقتصاد. وفي سنة 2025، تم توسيع هذا التوجه من خلال الدعوة إلى إدماجه العميق في مختلف القطاعات. أما في 2026، فقد أصبح الحديث الرسمي يدور حول الاقتصاد الذكي ، أي الانتقال من اقتصاد رقمي يعتمد على البيانات والمنصات إلى اقتصاد جديد تكون فيه الخوارزميات قادرة على التحليل، التوقع، التنسيق، واتخاذ قرارات مساعدة في الزمن الحقيقي.

هذا التحول له معنى سياسي وإداري عميق. فالدولة الصينية تريد أن تنتقل من الإدارة التي تنتظر وقوع المشكل ثم تتدخل، إلى إدارة تتوقع المشكل قبل وقوعه. في النقل، يمكن للذكاء الاصطناعي توقع الاختناقات. في الطاقة، يمكنه تحسين توزيع الاستهلاك والإنتاج. في الصحة، يمكنه دعم التشخيص وتنظيم الموارد. في التعليم، يمكنه تتبع الفوارق في التعلم. وفي الصناعة، يمكنه تحسين سلاسل الإنتاج، تقليص الهدر، ورفع الجودة.

لهذا يمكن القول إن الصين لا تبني فقط اقتصادًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي، بل تبني نموذجًا جديدًا للحكم العمومي. القرار لم يعد مبنيًا فقط على التقارير الإدارية التقليدية، بل على تدفق هائل من البيانات القادمة من المصانع، المدن، المدارس، المستشفيات، الموانئ، شبكات النقل، وأنظمة التجارة. وهنا تكمن القوة الصينية: الجمع بين الحجم الديمغرافي، الكثافة الصناعية، الدولة المركزية، والبنيات الرقمية.

في مجال التعليم، يظهر التحول بوضوح. الصين شرعت في بناء منظومة وطنية لمحو الأمية الذكية ، أي جعل فهم الذكاء الاصطناعي جزءًا من الثقافة العامة للتلاميذ، الطلبة، المدرسين والمهنيين. لم يعد الهدف فقط تكوين مهندسين متخصصين، بل إعداد مجتمع كامل قادر على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي. فالمدرسة الصينية مطالبة بإدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج، والجامعة مطالبة بجعله مادة أساسية، والتكوين المهني مطالب بربطه بالصناعة والتحولات الإنتاجية.

هذا الاختيار يعكس فهمًا استراتيجيًا مهمًا: الدول لا تتقدم فقط بامتلاك التكنولوجيا، بل بامتلاك مجتمع قادر على استعمالها. ولهذا فإن الصين لا تريد أن يبقى الذكاء الاصطناعي حكرًا على النخب التقنية، بل تسعى إلى تحويله إلى لغة إنتاجية وإدارية وتعليمية عامة. ومن هنا يمكن فهم التركيز على تكوين المدرسين، تطوير المقررات، إدماج الذكاء الاصطناعي في التكوينات المهنية، وربطه بالتعلم مدى الحياة.

أما في الصناعة، فالصين تستعمل الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتجاوز مأزق اقتصادي حقيقي. فالبلاد تواجه ارتفاع كلفة العمل، شيخوخة سكانية، ضغطًا أمريكيًا على الرقائق المتقدمة، ومنافسة متزايدة من دول آسيوية أخرى في الصناعات منخفضة الكلفة. لذلك لم يعد كافيًا أن تكون مصنع العالم بالمعنى التقليدي. الصين تريد أن تصبح مصنعًا ذكيًا للعالم، حيث تتحول المصانع من وحدات إنتاج كثيفة العمل إلى شبكات إنتاج تعتمد على الروبوتات، التحليل الخوارزمي، الصيانة التنبؤية، وسلاسل توريد أكثر مرونة.

الأرقام المتوفرة تعكس سرعة هذا التحول. فقد تجاوز حجم الصناعة الأساسية للذكاء الاصطناعي في الصين 1.2 تريليون يوان في 2025، وتجاوز عدد الشركات العاملة في المجال 6200 شركة. كما أن أكثر من 30 في المائة من المقاولات الصناعية الكبرى بدأت تعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي. هذه ليست مجرد مؤشرات تقنية، بل علامات على بداية تحول بنيوي في نموذج الإنتاج الصيني.

في البنيات التحتية، تبدو الصين واعية بأن الذكاء الاصطناعي لا يعيش في الفراغ. فهو يحتاج إلى مراكز بيانات، طاقة، شبكات اتصال، حوسبة سحابية، أقمار صناعية، وشبكات 5G صناعية. لذلك تربط الصين بين الذكاء الاصطناعي والبنيات التحتية الجديدة. فالقضية لم تعد فقط بناء طرق وموانئ وسكك حديدية، بل بناء قدرة وطنية على معالجة البيانات وتشغيل النماذج الضخمة وربطها بالاقتصاد الحقيقي.

هنا يظهر الفرق بين الصين وعدد من الدول الأخرى. فبعض الدول ترى الذكاء الاصطناعي كتطبيقات منفصلة. الصين تراه كنظام إنتاج وحكم. بعض الدول تركز على الابتكار الفردي. الصين تركز على الانتشار الواسع. بعض الدول تترك الذكاء الاصطناعي داخل المختبرات والشركات الناشئة. الصين تدفعه نحو المصانع، المدارس، الإدارات، المستشفيات، المدن، والمجالات الترابية.

غير أن هذا النموذج لا يخلو من مخاطر. فكلما أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من القرار العمومي، زادت الحاجة إلى الشفافية، حماية المعطيات، مراقبة الخوارزميات، ومنع تحول القرار الإداري إلى قرار آلي مغلق. الصين تدرك هذه المخاطر، ولذلك تتحدث في وثائقها الرسمية عن السلامة، القابلية للتحكم، أمن البيانات، وحوكمة الذكاء الاصطناعي. لكن السؤال الحقيقي سيبقى مطروحًا: هل يمكن الجمع بين الفعالية الخوارزمية والرقابة الديمقراطية؟ وهل يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تحسين القرار أم إلى تقوية مركزية الدولة أكثر؟

استراتيجيًا، ما تقوم به الصين اليوم يشبه ما قامت به سابقًا في الطاقة الشمسية، السيارات الكهربائية، البطاريات، والقطارات فائقة السرعة. تبدأ الدولة بتحديد المجال الاستراتيجي، ثم تعبئ التمويل، البحث العلمي، الشركات، الجامعات، البنيات التحتية، والطلبيات العمومية. بعد ذلك يتحول القطاع من تجربة إلى صناعة، ومن صناعة إلى قوة تصديرية، ومن قوة تصديرية إلى أداة نفوذ دولي.

ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي بالنسبة للصين ليس فقط وسيلة لتحسين الإدارة، بل سلاح اقتصادي وجيوسياسي. فمن يتحكم في الذكاء الاصطناعي سيتحكم في الصناعة، في المدن، في التعليم، في الأمن السيبراني، في سلاسل التوريد، وفي جزء مهم من القرار العمومي. الصين فهمت مبكرًا أن العالم القادم لن تقوده فقط الدول التي تملك الموارد الطبيعية أو الجيوش الكبرى، بل الدول التي تملك القدرة على تحويل البيانات إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى إنتاجية.


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعتين
آش نيوز منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 18 ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
بلادنا 24 منذ 6 ساعات
Le12.ma منذ 12 ساعة
جريدة أكادير24 منذ 4 ساعات