بعد ثمانية أشهر متتالية من التراجع، نجحت شركة BYD الصينية في إيقاف أطول سلسلة هبوط عرفتها مبيعاتها، ولو بفارق بسيط جداً. فحسب معطيات حديثة نقلتها Reuters اعتماداً على إفصاح بورصي للشركة، ارتفعت المبيعات العالمية لعملاق السيارات الكهربائية والهجينة خلال ماي 2026 بنسبة 0.3% فقط على أساس سنوي، لتصل إلى 383,453 سيارة.
لكن خلف هذا الرقم المحدود توجد قصة أكبر من مجرد تعافٍ شهري. فالشركة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى رمز للصعود الصيني في عالم السيارات الكهربائية، لم تعد تواجه منافسة Tesla فقط، بل تجد نفسها وسط سوق محلي شديد الازدحام، وحرب أسعار مرهقة، ومستهلكين أكثر حساسية تجاه السعر، في وقت أصبحت فيه الأسواق الخارجية المنفذ الأهم لإنقاذ النمو.
اللافت أن تحسن BYD لم يأت من الصين، بل من خارجها. فالمبيعات الخارجية قفزت بقوة، بينما واصل السوق المحلي الضغط على الشركة. وهذا ما يجعل خبر كسر سلسلة التراجع مهماً، لأنه لا يقول فقط إن BYD عادت للنمو، بل يكشف أيضاً أين يوجد مستقبلها الحقيقي: داخل الصين أم خارجها؟
في ماي 2026، أنهت BYD سلسلة تراجع دامت ثمانية أشهر في المبيعات العالمية. ورغم أن الزيادة لم تتجاوز 0.3%، إلا أنها تبقى إشارة نفسية مهمة لشركة اعتادت الأسواق على ربطها بالنمو السريع والقدرة على الضغط على المنافسين بأسعار قوية وتكنولوجيا بطاريات متقدمة.
كما ارتفع إنتاج الشركة بنسبة 8.8% على أساس سنوي، وفق Reuters، ما يعني أن التحسن لم يقتصر على المبيعات فقط، بل شمل أيضاً وتيرة التصنيع. وهذا مهم في قطاع السيارات الكهربائية، لأن الإنتاج يعكس توقعات الشركة للطلب المقبل، خاصة عندما يتعلق الأمر بشركة بحجم BYD تشتغل بسلاسل توريد ضخمة وبحضور عالمي متزايد.
لكن هذا التعافي يبقى حذراً. فالزيادة الطفيفة لا تعني أن كل مشاكل الشركة انتهت، بل تعني أن قوة التصدير عوضت ضعف السوق الصيني. لذلك، فإن قراءة الخبر على أنه عودة كاملة للنمو قد تكون متسرعة، لأن الجزء الأصعب من المعادلة ما يزال داخل الصين.
العنصر الأقوى في أرقام BYD هو الأداء الخارجي. فقد ارتفعت المبيعات خارج الصين بنسبة 80.4% على أساس سنوي، لتصل إلى 160,644 سيارة في ماي. وهذا رقم كبير، ليس فقط لأنه يعوض التراجع المحلي، بل لأنه يؤكد أن توسع BYD العالمي أصبح ركيزة أساسية في نموذجها التجاري.
تستفيد الشركة من الطلب المتزايد على السيارات الكهربائية والهجينة في أوروبا وعدد من الأسواق الناشئة. كما أن ارتفاع أسعار الوقود في بعض الأسواق يجعل السيارات الكهربائية والهجينة أكثر جاذبية للمستهلكين، خصوصاً عندما تأتي بأسعار تنافسية وتجهيزات قوية مقارنة بالعلامات التقليدية.
هذا التحول مهم جداً. ففي السنوات الماضية، كانت الصين هي قلب قوة BYD، أما اليوم فتبدو الأسواق الخارجية وكأنها تتحول إلى صمام أمان. وإذا استمرت الوتيرة الحالية، قد تصبح المبيعات الدولية عاملاً حاسماً في حماية الشركة من تباطؤ الطلب داخل بلدها.
رغم التحسن العالمي، ما تزال الصين تمثل التحدي الأكبر. فقد تراجعت مبيعات BYD في السوق المحلي بنسبة 24% خلال ماي، لتواصل الهبوط للشهر الثالث عشر على التوالي. وهذا رقم لا يمكن تجاهله، لأن الصين ليست سوقاً عادياً للشركة، بل هي قاعدة الإنتاج والبيع والانتشار.
تواجه BYD منافسة شرسة من علامات صينية أخرى مثل Geely وLeapmotor، خصوصاً في فئة السيارات الاقتصادية والجماهيرية. هذه الفئة كانت لفترة طويلة من أهم مصادر قوة BYD، لكنها أصبحت اليوم أكثر ازدحاماً، مع دخول منافسين يقدمون أسعاراً مغرية وتصميماً وتسويقاً أكثر قرباً من المستهلك.
كما أن تراجع بعض الدعم والتحفيزات، وتباطؤ الاستهلاك، واشتداد حرب الأسعار، كلها عوامل جعلت المستهلك الصيني أكثر تردداً. وفي مثل هذا المناخ، لا يكفي أن تكون السيارة متطورة، بل يجب أن تكون أيضاً مقنعة سعرياً وسهلة التبرير للمشتري.
منذ فترة، يعيش سوق السيارات الكهربائية في الصين تحت ضغط حرب أسعار قوية. الشركات تحاول الحفاظ على حصصها السوقية، والمستهلك ينتظر أفضل عرض، والوكلاء يجدون أنفسهم بين ضغط المخزون وتراجع الهوامش. بالنسبة لـ BYD، كان السعر دائماً سلاحاً مهماً، لكن هذا السلاح يصبح أقل فعالية عندما يستعمله الجميع.
وتشير Reuters إلى أن بكين تحاول الحد من المزيد من التخفيضات السعرية في القطاع، وهو ما يضع BYD في موقف حساس. فإذا خفضت الأسعار أكثر، قد تضر بهوامش الربح وبصورة العلامة. وإذا حافظت على الأسعار، قد تمنح مساحة أكبر للمنافسين الأرخص أو الأكثر جرأة في العروض.
لهذا السبب، تبدو BYD اليوم أمام اختبار جديد: كيف تنتقل من شركة تربح بالعدد والسعر، إلى شركة تحافظ على حجمها لكنها تقنع الزبون أيضاً بالقيمة والتكنولوجيا والثقة؟
ضمن هذا السياق، تعمل BYD على دفع بعض علاماتها وطرازاتها نحو الفئات الأعلى. إطلاق نسخة محسنة من SUV ضمن علامة Denza الفاخرة ينسجم مع هذا التوجه. فالهدف لم يعد فقط بيع أكبر عدد ممكن من السيارات، بل تحسين صورة العلامة ورفع القيمة المتوسطة لكل سيارة.
الانتقال نحو الفئة الأعلى قد يساعد الشركة في مواجهة تآكل الهوامش داخل السوق الصيني، لكنه ليس سهلاً. فالمستهلك الذي اعتاد رؤية BYD كخيار ذكي واقتصادي يحتاج إلى أسباب قوية كي يدفع أكثر. كما أن المنافسة في الفئات الأعلى تشمل علامات صينية طموحة، وعلامات عالمية لها تاريخ طويل في الفخامة والأداء.
بمعنى آخر، BYD تحاول أن تجمع بين أمرين صعبين: البقاء قوية في السوق الجماهيري، وفي الوقت نفسه بناء صورة أكثر تقدماً وربحية. نجاح هذه المعادلة سيحدد جزءاً كبيراً من مستقبلها.
لم تعد البطارية وحدها تكفي لصناعة الفارق في السيارات الكهربائية. اليوم، تدخل أنظمة القيادة المساعدة والبرمجيات والتحديثات الذكية في صلب المنافسة. لذلك تحاول BYD تقديم نفسها كشركة لا تبيع سيارة كهربائية فقط، بل تقدم تجربة قيادة أكثر تطوراً وثقة.
وحسب Reuters، أعلنت الشركة أنها ستتحمل لمدة سنة كاملة التعويضات والإصلاحات المرتبطة بأي حوادث قد تقع أثناء استعمال وظيفة City Navigation، إلى جانب حديثها عن اختراقات تقنية أخرى. هذه الخطوة تحمل بعداً تسويقياً واضحاً: طمأنة المستهلك وتشجيعه على الثقة في أنظمة القيادة المساعدة.
غير أن هذا النوع من التقنيات لا يضمن وحده زيادة المبيعات، خصوصاً في الفئات الأقل سعراً. فجزء من المشترين يريد ببساطة سيارة عملية ورخيصة وموثوقة، وقد لا يكون مستعداً لدفع علاوة سعرية مقابل مزايا ذكية لا يعتبرها ضرورية.
خبر BYD لا يهم الشركة وحدها. فهو يعكس تحولاً أوسع في سوق السيارات الكهربائية العالمي. المرحلة الأولى كانت مرحلة نمو سريع مدفوع بالحماس والدعم والأسعار التنافسية. أما المرحلة الحالية فهي أكثر صعوبة: المستهلك أصبح أكثر انتقائية، والمنافسة أصبحت أعنف، والأسواق تطلب نماذج أعمال أكثر توازناً.
في أوروبا والأسواق الناشئة، يمكن لـ BYD أن تستفيد من صورتها كبديل صيني قوي وبسعر جذاب. لكن في المقابل، ستواجه رسوماً وتنظيماً ومنافسة سياسية وتجارية، خاصة مع تزايد حساسية الحكومات تجاه توسع السيارات الصينية.
أما داخل الصين، فالتحدي مختلف: كيف تقنع الشركة الزبون المحلي في سوق يعرف منتجاتها جيداً، لكنه صار محاطاً بعروض لا تنتهي من علامات محلية كثيرة؟ هذا السؤال هو جوهر المرحلة المقبلة بالنسبة لـ BYD.
قد يبدو الخبر بعيداً عن القارئ المغربي أو العربي، لكنه ليس كذلك. توسع BYD خارج الصين يعني أن السيارات الصينية الكهربائية والهجينة ستصبح أكثر حضوراً في الأسواق الدولية، بما فيها أسواق المنطقة خلال السنوات المقبلة. وكلما اشتدت المنافسة بين الشركات، زادت احتمالات وصول نماذج بأسعار أكثر تنافسية وتجهيزات أفضل.
كما أن ما يحدث في الصين قد ينعكس على اتجاهات السوق العالمية: الأسعار، البطاريات، الشحن السريع، القيادة المساعدة، وحتى قرارات العلامات الأوروبية والآسيوية الكبرى. فحين تتحرك شركة بحجم BYD، لا يبقى الأثر محصوراً في بلد واحد.
بالنسبة للمستهلك، الرسالة الأهم هي أن سوق السيارات الكهربائية دخل مرحلة نضج. لم يعد الحديث فقط عن سيارة كهربائية ، بل عن السعر الحقيقي، كلفة الصيانة، الضمان، البطارية، توفر الشحن، وقيمة السيارة بعد سنوات من الاستعمال.
نجحت BYD في إيقاف أطول سلسلة تراجع في مبيعاتها، وهذا خبر إيجابي للشركة ومساهميها وصورتها العالمية. لكن التعافي جاء بفارق بسيط، واعتمد بشكل واضح على قوة الأسواق الخارجية، بينما بقيت الصين مصدر الضغط الأكبر.
لذلك، يمكن اعتبار أرقام ماي 2026 بداية تنفس بعد مرحلة صعبة، لا إعلاناً نهائياً عن العودة إلى النمو القوي. فالمعركة المقبلة ستدور حول قدرة BYD على حماية مكانتها داخل الصين، وتوسيع حضورها العالمي، وتحويل التكنولوجيا إلى قيمة يدفع الزبون من أجلها لا مجرد عنوان تسويقي.
في النهاية، BYD لم تخرج بعد من الاختبار، لكنها أثبتت أن لديها ورقة قوية: العالم خارج الصين. والسؤال الآن هو ما إذا كانت هذه الورقة كافية لتعويض الألم المستمر في سوقها الأم.
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
