ميونيخ تختبر التاكسي بلا سائق.. أوبر وAutobrains يفتحان صفحة جديدة للنقل الأوروبي

لم يعد سباق السيارات ذاتية القيادة محصوراً في وادي السيليكون أو المدن الصينية الكبرى. أوروبا، التي ظلت لسنوات أكثر حذراً في إدخال الروبوتاكسي إلى شوارعها، تبدو اليوم أقرب إلى اختبار مرحلة جديدة من النقل الحضري، وهذه المرة من بوابة مدينة ميونيخ الألمانية، قلب الصناعة الأوروبية للسيارات.

الخبر لا يتعلق بمجرد تجربة تقنية عابرة، بل بتحالف يجمع بين شبكة أوبر الواسعة في نقل الركاب، وبرمجيات القيادة الذاتية لدى شركة Autobrains الإسرائيلية، ومنصة Nvidia Drive Hyperion الموجهة للسيارات ذاتية القيادة من المستوى الرابع. وإذا حصل البرنامج على الموافقات التنظيمية المطلوبة، فقد تصبح ميونيخ أول مدينة انتشار لهذا النموذج الجديد داخل أوروبا.

أعلنت أوبر وشركة Autobrains عن تعاون استراتيجي لإطلاق برنامج روبوتاكسي في مدينة ميونيخ، بالتعاون مع Nvidia. ووفق ما نشرته Reuters وما جاء في الإعلان الرسمي للشركات، يقوم المشروع على دمج منصة أوبر لخدمات التنقل مع نظام القيادة الذاتية Agentic AI الذي تطوره Autobrains، فوق منصة Nvidia Drive Hyperion الجاهزة لتطبيقات الروبوتاكسي من المستوى الرابع.

الميزة الأساسية في هذا الإعلان هي أن المشروع لا يقدم نفسه كاختبار مغلق داخل حلبة أو منطقة محدودة فقط، بل كنموذج قابل للتوسع تجارياً، وقابل للعمل مع أكثر من شركة سيارات، بدل الاعتماد على مركبة واحدة مصممة خصيصاً لهذا الغرض. ولهذا تصفه الشركات بأنه نموذج غير مرتبط بمصنع سيارات واحد ، ما يعني أن الفكرة يمكن نقلها لاحقاً إلى منصات وموديلات مختلفة إذا نجحت التجربة.

اختيار ميونيخ ليس تفصيلاً ثانوياً. المدينة تقع في واحدة من أهم المناطق الصناعية في أوروبا، وتحيط بها منظومة قوية من شركات السيارات والموردين ومراكز البحث. كما أن شوارعها تجمع بين كثافة المرور الحضري، وطرق سريعة قريبة، وبنية تحتية متقدمة، وهو ما يجعلها بيئة مناسبة لاختبار سيارة أجرة ذاتية القيادة في ظروف أكثر واقعية وتعقيداً.

وتؤكد الشركات أن إطلاق الخدمة يظل مشروطاً بالموافقات التنظيمية. وهذا عنصر مهم في الخبر، لأن السيارات ذاتية القيادة لا ترتبط فقط بجاهزية التكنولوجيا، بل أيضاً بقوانين السلامة، وتحديد مناطق التشغيل، ومسؤولية الحوادث، وآليات مراقبة المركبات أثناء الخدمة.

المستوى الرابع، أو Level 4، يعني أن المركبة يمكنها القيادة ذاتياً دون تدخل بشري داخل نطاقات وظروف محددة مسبقاً. بمعنى آخر، السيارة لا تصبح حرة في كل مكان وكل الأوقات، لكنها تستطيع العمل وحدها داخل منطقة محددة، وبشروط تشغيل واضحة، مثل أحياء معينة أو مسارات معينة أو أوقات وظروف طقس محددة.

هذا التفصيل مهم للقارئ، لأن عبارة بلا سائق قد توحي أحياناً بأن السيارة ستنتشر فوراً في كل الشوارع دون قيود. الواقع أن أغلب مشاريع الروبوتاكسي تبدأ بنطاقات محدودة، ثم تتوسع تدريجياً بعد تقييم الأداء والسلامة وتفاعل الركاب والسلطات المحلية.

تقول Autobrains إن نظامها لا يعتمد على نموذج واحد ضخم يتولى كل مهمة القيادة دفعة واحدة، بل يقسم عملية القيادة إلى وكلاء أو وحدات ذكاء اصطناعي متخصصة. كل وحدة تتعامل مع جزء من القرار: قراءة محيط السيارة، فهم حركة المرور، تقدير المخاطر، أو اتخاذ قرار في وضعية معينة.

هذه المقاربة، حسب الشركة، قد تساعد على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر تكيفاً مع المواقف المعقدة، خصوصاً عندما تواجه السيارة سيناريوهات غير متوقعة. كما تؤكد Autobrains أن تقنيتها مصممة للعمل مع تجهيزات استشعار قياسية نسبياً، وليس فقط مع حزم استشعار باهظة ومعقدة، وهو ما قد يجعل التوسع التجاري أقل تكلفة إذا نجح الاختبار.

وجود Nvidia في المشروع يمنح الخبر بعداً أكبر من مجرد تعاون بين شركة نقل وتكنولوجيا قيادة ذاتية. منصة Nvidia Drive Hyperion تقدم أساساً حوسبياً وبرمجياً للسيارات ذاتية القيادة، وتشمل معالجات داخل المركبة، ونظاماً برمجياً، ودعماً لحزمة متعددة من الحساسات والكاميرات والرادارات.

وأعلنت Nvidia، في السياق نفسه، توسيع منظومتها العالمية للروبوتاكسي عبر شركاء في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط. وذكرت أن أوبر تعمل مع Autobrains لإطلاق برنامج ميونيخ اعتماداً على Drive Hyperion، مع الكشف عن مزيد من التفاصيل حول شركة السيارات المختارة لاحقاً خلال السنة.

المفارقة أن أوبر لم تعد تطور كل شيء داخلها كما كانت تفعل في سنوات سابقة. الشركة باعت وحدتها الخاصة بالسيارات الذاتية إلى Aurora، لكنها لم تخرج من سباق الروبوتاكسي. بدل ذلك، أصبحت تتحرك كمنصة تشغيل وتجارية تربط بين الركاب ومزودي التكنولوجيا وشركات السيارات.

هذا التحول مهم، لأن أوبر لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك كل برمجيات القيادة الذاتية كي تستفيد من السوق. قوتها الأساسية توجد في قاعدة المستخدمين، وخبرة إدارة الرحلات، والتسعير، والطلب، وتجربة الراكب. أما التقنية نفسها، فيمكن أن تأتي من شركاء مثل Autobrains وMomenta وWayve وغيرهم.

هذا ليس أول تحرك لأوبر في ميونيخ. فقد سبق للشركة أن أعلنت مع شركة Momenta الصينية عن خطط لاختبار مركبات ذاتية القيادة من المستوى الرابع في المدينة ابتداء من 2026. وهذا يعني أن ميونيخ تتحول تدريجياً إلى نقطة جذب لمشاريع النقل الذاتي في أوروبا، في وقت تحاول فيه القارة تقليص الفجوة مع الولايات المتحدة والصين.

من جهة أخرى، تسعى شركات السيارات الأوروبية إلى فهم كيف يمكن دمج هذه التكنولوجيا في نماذج أعمالها، بدل ترك سوق النقل الذاتي بالكامل لشركات التكنولوجيا. لذلك، فإن أي تجربة ناجحة في مدينة ألمانية كبيرة قد يكون لها صدى واسع داخل قطاع السيارات الأوروبي.

رغم أهمية الإعلان، لا تزال هناك تفاصيل أساسية غير محسومة. لم يتم بعد الكشف عن شركة السيارات التي ستوفر المركبات، ولا عن عدد السيارات الأولى، ولا عن مناطق التشغيل داخل ميونيخ، ولا عن موعد تجاري نهائي مؤكد. كما أن الموافقات التنظيمية ستبقى عاملاً حاسماً قبل انتقال المشروع من الإعلان إلى الشارع.

وهنا يجب التعامل مع الخبر بحذر مهني: نحن أمام مشروع طموح ومهم، لكنه ليس خدمة مفتوحة للجمهور على نطاق واسع ابتداء من الغد. الطريق من الإعلان إلى التشغيل التجاري الكامل يمر عبر اختبارات تقنية، ومراجعات قانونية، وتجارب سلامة، وربما مراحل تشغيل محدودة قبل التوسع.

قد يبدو خبر روبوتاكسي في ميونيخ بعيداً عن الحياة اليومية في العالم العربي، لكنه في الحقيقة يكشف اتجاهاً عالمياً سيصل تأثيره تدريجياً إلى كل أسواق النقل. عندما تنجح هذه النماذج في أوروبا، ستصبح شركات النقل الذكي والمدن الكبرى أكثر استعداداً للتفكير في مركبات ذاتية القيادة داخل المطارات، والمناطق السياحية، والمسارات المنظمة، وخدمات النقل الليلي.

كما أن الخبر يوضح كيف لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطبيق داخل الهاتف أو روبوت محادثة، بل أصبح يتحول إلى نظام قرار داخل السيارة نفسها. وهذا يفتح أسئلة جديدة حول السلامة، والوظائف، والتأمين، والبنية التحتية، وثقة الركاب في الآلة.

تحالف أوبر وAutobrains وNvidia في ميونيخ يعكس مرحلة جديدة في سباق الروبوتاكسي داخل أوروبا. فالشركات لا تراهن فقط على سيارة ذاتية القيادة، بل على نموذج كامل: منصة نقل، ذكاء اصطناعي للقيادة، وحوسبة قوية داخل المركبة. لكن نجاح التجربة سيعتمد في النهاية على الموافقات التنظيمية، ومستوى السلامة، وقدرة الخدمة على كسب ثقة الركاب.

إذا نجح مشروع ميونيخ، فقد لا يكون مجرد تجربة محلية، بل خطوة أولى نحو نقل حضري أوروبي أكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي. أما إذا تعثرت التجربة، فستذكرنا بأن الطريق نحو سيارات أجرة بلا سائق لا يزال طويلاً، ومليئاً بالتحديات التقنية والقانونية والإنسانية.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
وكالة الأنباء المغربية منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
بلادنا 24 منذ 6 ساعات
جريدة كفى منذ 5 ساعات
هسبريس منذ 10 ساعات
آش نيوز منذ 10 ساعات