Arm تشعل سباقاً جديداً في مراكز البيانات.. والذكاء الاصطناعي لم يعد حكراً على Nvidia

في سباق الذكاء الاصطناعي، اعتاد العالم أن ينظر أولاً إلى رقائق الرسوميات القوية، وإلى أسماء مثل Nvidia، باعتبارها القلب النابض لمراكز البيانات الجديدة. لكن إعلاناً صدر من تايبيه، خلال معرض Computex، يكشف أن معركة أخرى بدأت تتشكل بهدوء داخل الخوادم: معركة معالجات CPU القادرة على تنظيم وتشغيل أحمال الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

شركة Arm، المعروفة تاريخياً بهيمنتها الواسعة على معمارية المعالجات في الهواتف والأجهزة المحمولة، قالت إن ByteDance الصينية وOracle الأمريكية أصبحتا من بين عملاء معالجاتها الجديدة الموجهة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ورغم أن الإعلان لم يتضمن تفاصيل عن حجم الطلبات أو مواعيد النشر التجاري، إلا أنه يحمل دلالة واضحة: Arm تريد أن تتحول من لاعب خلف الكواليس إلى طرف مباشر في البنية التحتية التي ستدير الجيل المقبل من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

بحسب ما أعلنه الرئيس التنفيذي لـ Arm رينيه هاس خلال Computex في تايبيه، فإن ByteDance، المالكة لتطبيق TikTok، وOracle، إحدى أبرز الشركات الأمريكية في خدمات السحابة ومراكز البيانات، من بين العملاء الذين يستخدمون معالجات Arm الجديدة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والمعروفة باسم AGI CPU.

الأهمية هنا لا تكمن فقط في اسم الشركتين، بل في طبيعة استخداماتهما المحتملة. ByteDance تحتاج إلى بنية تحتية ضخمة لتشغيل خدمات المحتوى والذكاء الاصطناعي والتوصية والتطبيقات التوليدية. أما Oracle فتتحرك بقوة في مجال السحابة والبنية التحتية الموجهة للشركات، حيث أصبح الطلب على الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أحد محركات النمو الأساسية في القطاع.

منذ انفجار موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي، سيطرت وحدات معالجة الرسوميات GPU على العناوين، لأنها تقوم بالجزء الثقيل من تدريب النماذج وتشغيل العمليات الحسابية المكثفة. لكن مراكز البيانات لا تعيش على GPU وحدها. فهناك طبقة كاملة من التنسيق، إدارة الذاكرة، نقل البيانات، تشغيل التطبيقات، التحكم في المسرعات، ومعالجة طلبات المستخدمين، وهذه كلها تحتاج إلى معالجات CPU قوية وفعالة.

ومع انتقال السوق من مرحلة تدريب النماذج الكبيرة إلى مرحلة الاستدلال وتشغيل وكلاء ذكاء اصطناعي يعملون باستمرار، تزداد الحاجة إلى معالجات قادرة على التعامل مع عدد هائل من الطلبات والمهام داخل نفس حدود الطاقة المتاحة. وهنا تحاول Arm تقديم نفسها كخيار أكثر كفاءة، خصوصاً أن معمارية Arm ارتبطت تاريخياً باستهلاك طاقة أقل مقارنة بالحلول التقليدية.

كانت Arm لسنوات طويلة شركة تصميم وترخيص للمعمارية أكثر من كونها شركة تبيع رقائق نهائية بشكل مباشر. لكن إطلاق معالج AGI CPU يمثل تحولاً مهماً في تاريخ الشركة، لأنه يوسع حضورها من بيع الملكية الفكرية والتصاميم إلى تقديم منتج سيليكون موجه لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

تقول Arm إن هذا المعالج صُمم لموجة الذكاء الاصطناعي الوكيلي ، أي التطبيقات التي لا تكتفي بالإجابة على سؤال واحد، بل تخطط وتنفذ وتتعامل مع أدوات وبرمجيات متعددة. هذا النوع من التطبيقات يحتاج إلى بنية حوسبة لا تركز فقط على القوة الخام، بل على الكثافة، الكفاءة، واستقرار الأداء داخل رفوف الخوادم.

إدراج ByteDance ضمن عملاء Arm لا يمكن فصله عن ضغط أكبر تعيشه الشركات الصينية في سوق الرقائق. فالشركة، بحسب تقارير حديثة، تدرس أيضاً تطوير معالجات مخصصة لمراكز بياناتها، مع النظر في مسارات تعتمد على Arm وأخرى على RISC-V المفتوحة المصدر. هذا التوجه يعكس رغبة عمالقة التكنولوجيا في تقليل الاعتماد على الموردين التقليديين، خصوصاً في ظل قيود التصدير الأمريكية وارتفاع أسعار المكونات وتوتر سلاسل الإمداد.

بالنسبة لشركة بحجم ByteDance، أي تحسن في الكفاءة أو التكلفة داخل مراكز البيانات يمكن أن يتحول إلى فارق مالي كبير. كما أن امتلاك خيارات متعددة في المعالجات يمنحها هامش مناورة أكبر، سواء في مواجهة التأخير في التوريد أو في التعامل مع القيود الجيوسياسية المفروضة على الرقائق المتقدمة.

وجود Oracle في قائمة العملاء يضيف بعداً آخر للخبر. فالشركة الأمريكية تراهن بقوة على خدمات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهي تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب الطلب المتزايد من الشركات التي تريد تشغيل نماذج وتطبيقات ذكية دون بناء مراكز بيانات خاصة بها.

إذا نجحت Arm في إثبات أن معالجاتها قادرة على تقديم توازن جيد بين الأداء واستهلاك الطاقة، فقد تجد لنفسها مساحة أكبر داخل مزودي السحابة. وهذا لا يعني بالضرورة إزاحة Intel أو AMD فوراً، لكنه يعني أن سوق الخوادم يتجه نحو تنوع أكبر، خصوصاً مع دخول الذكاء الاصطناعي كعامل ضغط جديد على الطاقة والتكلفة والتبريد.

الخبر يذكرنا بأن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ليست مجرد بطاقة GPU داخل خادم. إنها منظومة كاملة تشمل المعالجات المركزية، الذاكرة، الشبكات، أنظمة التخزين، البرمجيات، والتبريد. لذلك، فإن إعلان Arm عن عملاء مثل ByteDance وOracle يعطي إشارة إلى أن الشركات الكبرى بدأت تنظر إلى كل طبقة من طبقات مركز البيانات باعتبارها فرصة لتحسين الأداء وتقليل التكلفة.

كما أن هذا التحول يفتح الباب أمام منافسة أشد بين معالجات x86 التقليدية ومعالجات Arm في الخوادم. وقد شهدت السنوات الأخيرة خطوات مشابهة من شركات سحابية كبرى اعتمدت على تصميمات Arm في بعض خدماتها، لكن دخول Arm بمنتج سيليكون مباشر لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يجعل المنافسة أكثر وضوحاً.

في مقابلة منفصلة على هامش Computex، قال رينيه هاس إن منع تصدير معالجات CPU المفيدة للذكاء الاصطناعي إلى الصين سيكون أصعب من التحكم في رقائق GPU، لأن هذه المعالجات عامة الاستخدام ومن الصعب رسم حدود تقنية دقيقة تميز ما هو موجه للذكاء الاصطناعي عما هو موجه لاستخدامات أخرى.

هذا التصريح مهم لأنه يضع معالجات Arm الجديدة داخل سياق سياسي وتجاري حساس. فواشنطن شددت خلال السنوات الأخيرة قيودها على وصول الشركات الصينية إلى الرقائق المتقدمة، لكن كلما انتقلت قدرات الذكاء الاصطناعي إلى مكونات أوسع وأكثر عمومية، أصبح ضبط السوق أكثر تعقيداً.

بالنسبة للمستخدم العادي، قد لا يظهر أثر هذا الخبر فوراً على الهاتف أو الحاسوب الشخصي. لكنه قد يؤثر لاحقاً في سرعة وكلفة خدمات الذكاء الاصطناعي التي نستعملها يومياً: من المساعدات الذكية إلى أدوات البحث، الترجمة، توليد المحتوى، وخدمات الشركات.

أما بالنسبة للأسواق، فالخبر يعزز فكرة أن موجة الذكاء الاصطناعي لا تصنع رابحاً واحداً فقط. صحيح أن Nvidia ما تزال في مركز الصورة بفضل GPU، لكن شركات مثل Arm، Marvell، Broadcom، AMD، Intel، ومزودي الذاكرة والشبكات، يحاولون جميعاً حجز مكان داخل السلسلة الجديدة للقيمة.

إعلان Arm أن ByteDance وOracle يستخدمان معالجاتها لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خبر تقني عابر. إنه مؤشر على انتقال الشركة إلى مرحلة أكثر طموحاً، حيث تريد أن تكون جزءاً مباشراً من البنية التحتية التي ستدير الذكاء الاصطناعي على نطاق عالمي.

لكن نجاح هذا الرهان سيعتمد على ما ستثبته المعالجات الجديدة عملياً: هل ستوفر فعلاً أداءً وكفاءة أفضل داخل الخوادم؟ هل ستستطيع Arm تأمين إنتاج كافٍ وسط ضغط سلاسل الإمداد؟ وهل ستقبل الشركات الكبرى بتوسيع اعتمادها على معمارية Arm في مراكز البيانات؟ الإجابات لم تكتمل بعد، لكن المؤكد أن سباق الرقائق دخل مرحلة أعمق من مجرد البحث عن أقوى GPU.


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 16 دقيقة
منذ ساعة
منذ 44 دقيقة
منذ 39 دقيقة
هسبريس منذ 4 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 12 ساعة
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ ساعة
هسبريس منذ 15 ساعة
أشطاري 24 منذ ساعة
هسبريس منذ 14 ساعة
هسبريس منذ 6 ساعات