الحدود القبلية للموت

حين ضاق القبر بالعُقول

في أغبالو نكردوس، اكتشف المغاربة الأسبوع الماضي اختراعًا ثوريًا جديدًا: “الحُدود القَبلية للموت”؛ فبعد أن ظن الجميع أن الإنسان عندما يموت يتخلّص من مشاكل العقار والنزاعات القبلية والوثائق الإدارية، تبين أن الرحلة لم تنتهِ بعد، وأن المرحومة مطالبة أولًا بالحصول على تأشيرة دخول إلى المقبرة. الجثمان وصل، والأهل وصلوا، والكفن جاهز، والدعاء حاضر، لكن لجنة استقبال الموتى قررت أن الملف ناقص. فالمشكلة ليست في الموت، إنها في عنوان الموت؛ يبدو أن المرحومة أخطأت القبيلة التي اختارت أن تموت بالقرب منها.

مقبرة بنظام التأشيرة

ولأكثر من أربع وعشرين ساعة، بقيت امرأة متوفاة تنتظر قرارًا بشريًا يسمح لها بما حصل عليه ملايين البشر منذ آلاف السنين: حفرة في الأرض. المشهد كان سرياليًا إلى درجة أن المرء يتساءل: ماذا لو استيقظ الموتى القدامى من قبورهم؟ هل سيطالب بعضهم بإعادة فرز المقبرة حسب النسب والعِرق والانتماء القبلي؟ وهل ستنشأ قريبًا إدارة خاصّة بمُراقبة جينات الهياكل العظمية؟ الأكثر إثارة أن الأرض التي يتصارع حولها الأحياء لم يحمل منها أحد شيئًا إلى قبره، لكن بعض الناس ما زالوا يتصرّفون وكأنهم يملكون وكالة حصرية على التراب نفسه، ترابٌ جاءوا منه وسيعودون إليه. لقد نجحت الواقعة في تحقيق إنجاز نادر: جعلت الجثمان أكثر صبرًا من الأحياء. فبينما كانت المرحومة تنتظر الدفن بصمت، كان الأحياء يتجادلون حول من يملك بضعة أمتار من الأرض التي ستبتلعهم جميعًا في النهاية دون أن تسألهم عن قبائلهم. وإذا كان الموت أعظم مساواة عرفتها البشرية، فقد حاول البعض بكل اجتهاد أن يصنعوا فيه طبقية وقبلية أيضًا. وكأن الرسالة هي: مرحبًا بكم في الآخرة، لكن المرجو الوقوف في الصّفّ حسب الانتماء القبلي. لحسن الحظ انتهت القصة بالدفن، لكن الفضيحة بقيت مدفونة فوق الأرض لا تحتها. فالمشكلة لم تكن يومًا في المقبرة، وإنما في العقول التي ما زالت تعتقد أن قطعة أرض أوسع من الإنسانية، وأن الانتماء إلى قبيلة أهمّ من حُرمة ميّت.

عندما يصبح القبر قضية رأي عام

نعم؛ دُفنت المرحومة أخيرًا، لكن السؤال الحقيقي بقي واقفًا فوق التراب: كيف وصلنا إلى زمن يحتاج فيه الميّت إلى ترخيص غير معلن، وحراسة أمنية، ومفاوضات شاقة، فقط لينال حقه الأخير؟ حين يصبح الدفن معركة، فالمشكلة ليست في المقابر وحدها، وإنما في عقول ضاقت حتى غدتْ أضيق من حفرة قبر. الأحياء يتنازعون على التراب، والميّتة تحوّلت إلى شاهدة صامتة في مسرحٍ عبثيّ، عنوانه العريض: من يملك الحقّ في أن يُدفن فوق من؟ كأنّ القبر لم يعد مكانًا للسّكينة، وإنما أصبح عقارًا عائليًا معروضًا للمُزايدة، تُقاس فيه القرابة بالمسافة، والرحمة بالسنتيمتر، والحقّ بمن يرفع صوته أكثر. والأطرف، أو بالأحرى الأشدّ مرارة، أنّ الجميع يتكلّم باسم الوفاء، لكنّ الوفاء المسكين لم يُستدعَ أصلًا إلى الجلسة؛ حضر فقط نزاع الملكية، وحضر معه ذلك النوع الفاخر من الحُزن الذي لا يبكي الميِّتَ، وإنما يفتّش تحت التراب عن حصّته. هكذا، بدل أن يكون القبر نهاية الخصومة، أضحى بدايتها الرسمية؛ هناك حيث سكتت الميتة إلى الأبد، بدأ الأحياء يشرحون لنا، بجدّية مُذهلة، كيف يمكن للإنسان أن يفقِدَ حياءه وهو يطالب بمكانٍ قرب من فقَدَ حياته.

في تلك اللحظة لم تعد المقبرة مكانًا لراحة الموتى، ذلك أنها تحولت إلى ما يشبه مجلسًا عَقاريًا مفتوحًا. الفرق الوحيد أن الزبون هذه المرة كان جثمانًا لا يستطيع الاعتراض على الشروط ولا التفاوض على الثمن. والأشد مرارة أن الواقعة كشفت هشاشة المسافة بين الحضارة والغريزة. فنحن نبني الطرق والسدود والإدارات ونرفع شعارات الحداثة والتنمية، ثم تأتي لحظة دفن امرأة لتذكرنا أن بعض العقليات ما زالت تُدير العالم.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 18 ساعة
موقع طنجة نيوز منذ 6 ساعات
آش نيوز منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 20 ساعة
Le12.ma منذ 8 ساعات
هسبريس منذ 17 ساعة
جريدة كفى منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات