لا يُعد التصحّر البحري (Marine Desertification) ظاهرة بيئية هامشية، يمكن التعامل معها بوصفها تراجعاً عابراً، في جودة الموائل المائية، بل هو متلازمة بيئية مركّبة، تبدأ بفقدان تدريجي للموائل الطبيعية، لتمتد تداعياتها بشكل تراكمي إلى انهيار الخدمات النظمية التي تقدمها البحار، ومن ثم تنعكس سلباً على البنى الاقتصادية، ومسارات التنمية المستدامة برمّتها.
إنها عملية خفية تتآكل فيها قدرة البيئة البحرية على التجدد، وتفقد معها الأنظمة الصوتية الطبيعية، التي تميز الكائنات الحية توازنها الحيوي، لتحل محلها حالة من الصمت المطبق، الذي ينذر بخلل بيئي عميق.
يكشف الرصد العلمي في المنطقة البحرية التابعة للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية، في الخليج العربي، عن تسارع مقلق في مؤشرات هذا التدهور، حيث تتراجع الشعاب المرجانية والغطاءات النباتية البحرية، وتختل وظائف السلاسل الغذائية، التي تدعم التنوع الإحيائي. وهذا الصمت البيئي الذي يلف الأعماق لم يعد مجرد مؤشر رصدي، بل تحول إلى إشارة إنذار مبكر تستوجب تدخلاً فورياً، قائماً على أسس علمية صلبة. فالاستمرار في تجاهل هذه الظاهرة، يعني السماح بفقدان البحار لصوتها الطبيعي، وهو ما يحمّل المجتمعين، العلمي والسياسي، مسؤولية أخلاقية وتنموية عاجلة.
الأسباب البنيوية: لماذا الخليج العربي الأكثر عرضة للتصحر؟
يُعتبر الخليج العربي حوضاً شبه مغلق يتميز بظروف هيدروغرافية قاسية بطبيعتها؛ من عمق ضحل (متوسط 35 متراً)، ومعدلات تبخر عالية جداً، إلى درجات حرارة، ومستويات ملوحة تُعد الأعلى عالمياً. ومع ذلك، فإن الضغوط البشرية المتسارعة دفعت بهذه البيئة الهشة نحو حافة "التصحر البحري":
الاحترار واشتداد الملوحة: أدى التغير المناخي إلى تكرار موجات الاحترار البحري الشديدة، مما تسبب في ابيضاض واسع النطاق للشعاب المرجانية، وفقدان مروج الحشائش البحرية (Sea Grasses) التي تمثل الحواضن الأولى للثروة السمكية.
الضغط الصناعي ومحطات التحلية: تعتمد دول الخليج بشكل أساسي على محطات تحلية مياه البحر، والتي تطرح كميات ضخمة من المياه الرجيعة شديدة الملوحة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة السياسة
