من نقد الحكومة إلى تهمة المساس بالمؤسسات

يقول الفيلسوف السياسي مونتسكيو إن الحرية السياسية لا تقوم إلا حين تعمل المؤسسات في توازن، وحين يجد كل فاعل سياسي مكانه الطبيعي داخل هذا التوازن. ولعل هذه الفكرة تساعد على فهم واحدة من أهم الرسائل التي حملها البلاغ الأخير لحزب العدالة والتنمية.

فبعيدا عن النقاش الدائر حول تصريحات هذا القيادي أو ذاك، وبعيدا عن السجال المعتاد بين الحكومة والمعارضة، اختار الحزب أن يخصص حيزا مهما من بلاغه لتجديد التأكيد على احترامه للثوابت الوطنية ولمقتضيات الدستور ولمكانة المؤسسات الوطنية. وقد يبدو هذا الأمر عاديا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يحمل دلالة سياسية أعمق مما يظهر على السطح.

فالفاعل السياسي لا يكرر ما لا يحتاج إلى تأكيد. وحين يجد حزب نفسه مضطرا إلى تجديد تمسكه بالمؤسسات، فإن ذلك يكشف أن جزءا من النقاش العمومي لم يعد منصبا على مواقفه السياسية أو مقترحاته أو انتقاداته للحكومة، بل أصبح منصبا على محاولة تحديد موقعه من المؤسسات نفسها..

الخلاف حول السياسات العمومية وحصيلة الحكومات وبرامج الأحزاب يعكس نضج الأنظمة السياسية. أما حين يتحول النقاش إلى التشكيك في حق المعارضة في ممارسة المعارضة، أو إلى تأويل كل انتقاد للحكومة باعتباره موقفا من الدولة أو من مؤسساتها، فإن المجال السياسي يكون قد انتقل من مناقشة الأفكار إلى مناقشة الشرعية ذاتها.

من يقرأ بلاغ العدالة والتنمية بتأنٍ يلاحظ أن الحزب لم يكتف بالدفاع عن قياداته، بل سعى إلى إعادة رسم الحدود الفاصلة بين معارضة الحكومة واحترام المؤسسات. وهي حدود تبدو واضحة في النظرية السياسية، لكنها تختلط أحيانا في لحظات الاستقطاب الحاد.

فالخلاف مع الحكومة لا يعني الخلاف مع الدولة. وانتقاد السياسات العمومية لا يعني الطعن في المؤسسات. ومساءلة المسؤولين عن قراراتهم لا تعني المساس بالثوابت التي تجمع المغاربة. هذه هي الرسالة التي حرص الحزب على تثبيتها أكثر من مرة في بلاغه.

و هنا لابد أن نتوقف قليلا و نطرح سؤالا مهما لماذا أصبح هذا التوضيح ضروريا أصلا؟

الجواب قد يكون كامنا في طبيعة المرحلة السياسية التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية الكبرى. ففي مثل هذه المراحل لا تقتصر المنافسة على البرامج والحصيلة، بل تمتد إلى الصورة والرمزية والموقع السياسي. وكل حزب يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره البديل الأكثر أهلية لتحمل المسؤولية. ومن هنا تصبح صورة الحزب داخل النسق المؤسساتي جزءا من المعركة السياسية نفسها.

لذلك يمكن القول إن أهم ما ورد في البلاغ ليس الهجوم على الحكومة ولا الرد على الخصوم، وإنما الحرص الواضح على تجديد التأكيد بأن الحزب، مهما اشتد نقده للسياسات الحكومية، يعتبر نفسه جزءا من البناء المؤسساتي للدولة وليس في مواجهة معه.

وإذا كان من حق الأحزاب أن تختلف حول الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية وحول تدبير الشأن العام، فإن مصلحة الحياة السياسية تقتضي أيضا التمييز بين الحكومة باعتبارها فاعلا سياسيا قابلا للنقد والمحاسبة، وبين الدولة باعتبارها إطارا جامعا للجميع.

لهذا تبدو الرسالة الأعمق في البلاغ رسالة تتجاوز حدود حزب بعينه. إنها تذكير بأن قوة المؤسسات لا تتجلى في غياب المعارضة، وإنما في قدرتها على احتضان الاختلاف. فالديمقراطية لا تحتاج إلى أصوات متشابهة، وإنما إلى فاعلين يختلفون في الرأي ويتفقون على احترام القواعد التي تنظّم هذا الاختلاف..


هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة كفى

منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
جريدة أكادير24 منذ ساعتين
هسبريس منذ 23 ساعة
هسبريس منذ 16 ساعة
آش نيوز منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 5 ساعات
آش نيوز منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 17 ساعة