مقال د.عبدالله سرور الزعبي. العبقرية السياسية في زمن الفوضى العالمية

منذ أن خرج الإنسان من الكهوف، لم تكن السياسة مجرد إدارة لشؤون الجماعة، بل كانت فنّ البقاء ذاته.

فالحضارات لم تُبنَ بالقوة العسكرية وحدها، ولم تسقط بسبب الفقر فقط، بل بسبب القدرة أو العجز عن استيعاب موازين القوى، وتوقيت القرار، وفهم طبيعة الإنسان في أعمق تجلياته.

ولهذا ظلّ التاريخ السياسي يتأرجح بين قطبين متلازمين لا ينفصلان: العبقرية والدهاء.

فإن كانت العبقرية السياسية هي القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وفهم حركة التاريخ قبل أن تتحوّل إلى وقائع راسخة، فإن الدهاء السياسي هو القدرة على المناورة داخل الواقع وتطويع تناقضاته، وإخفاء النوايا حتى لحظة الحسم.

وحين يجتمع الاثنان في رجل دولة، تتغير خرائط العالم؛ كما حدث مع الإسكندر الأكبر وأوغسطس ومعاوية بن أبي سفيان وبطرس الأكبر والسلطان سليمان القانوني وونستون تشرشل وهنري كيسنجر.

أما حين يغيبان معًا، فتتحوّل الدول إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين.

ولم يكن غريبًا أن يقول مكيافيلي إن السياسة ليست أخلاقًا مجردة، بل فهمٌ عميق لطبيعة البشر والخوف والمصلحة والطموح، بينما رأى كلاوزفيتز أن الحرب ليست إلا امتدادًا للسياسة بوسائل أخرى.

وقد حاول أفلاطون وأرسطو بناء تصوّر مثالي للدولة يقوم على الحكمة والعدالة، لكن التاريخ أثبت أن الدول لا تُدار بالمثاليات وحدها، بل بتوازن معقد بين الأخلاق والقوة والمصلحة.

أما تشرشل فقد اختصر جوهر السياسة في مقولته "إنها القدرة على التنبؤ بما سيحدث، ثم تفسير لماذا لم يحدث".

عبر التاريخ، كانت العبقرية السياسية العامل الحاسم في صعود الإمبراطوريات وانهيارها.

فالإسكندر الأكبر حوّل مملكةً صغيرة إلى إمبراطورية عابرة للقارات لأنه أدرك أن السيطرة الحقيقية ثقافية واقتصادية قبل أن تكون عسكرية.

وأوغسطس أعاد هندسة السلطة الرومانية بدلًا من الاكتفاء بالقمع.

وفي التاريخ الإسلامي، قام صعود الدول الأموية والعباسية والعثمانية على فهم الجغرافيا والتجارة وإدارة التحالفات والتنوع.

غير أن العبقرية حين تنفصل عن الأخلاق تتحوّل إلى كارثة؛ فنابليون امتلك عبقرية استثنائية لكنه سقط حين ظنّ أن أوروبا تُدار بالإرادة الفرنسية وحدها، وهتلر فهم النفس الجماعية الألمانية لكنه وظّف هذا الفهم في مشروع تدميري قاد العالم إلى أكثر حروبه دموية وأشدّها فتكًا.

شكّلت الحرب العالمية الثانية نقطة تحوّل أعادت تعريف النظام الدولي بالكامل.

فبعد الدمار الذي حدث في أوروبا، برزت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي قوتين عظميين متنافستين.

أدركت واشنطن أن النفوذ لا يُبنى بالقواعد العسكرية وحدها، فأسّست الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وأطلقت مشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا ضمن منظومة نفوذ بعيدة المدى.

في المقابل، اعتمد السوفييت على القوة الأيديولوجية وتصدير النموذج الشيوعي، فتحوّلت الدول الصغيرة إلى مربعات على رقعة شطرنج دولية لا رأي لها.

وبين هذين النموذجين المتصارعين، كان على كل دولة أن تختار، إما أن تصنع دورها بنفسها، وإما أن يُصنع دورها لها.

ومنذ تلك المرحلة، تحوّل الشرق الأوسط إلى قلب الصراع العالمي، ليس بسبب النفط وحده، بل لأنه عقدة الجغرافيا التي تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا، وتضمّ أهم الممرات البحرية وأكثر من ثلث احتياطيات الطاقة في العالم.

غير أن المأزق التاريخي للمنطقة كمن في أن كثيرًا من دولها تعاملت مع السياسة بمنطق ردّ الفعل لا بصناعة المبادرة، فتحوّلت إلى ساحات لصراعات القوى الكبرى.

وفي قلب تلك الحقبة المضطربة، برزت عبقرية المغفور له الملك الحسين الذي قاد الأردن وسط حروب وانقلابات وضغوط هائلة، محافظًا على الدولة واستقرارها عبر موازنة دقيقة بين القوى المتصارعة في زمن كانت فيه الأخطاء الصغيرة كفيلة بإسقاط دول كاملة، مُثبتًا أن الدول الصغيرة الذكية قادرة على تحقيق نفوذ يتجاوز حجمها حين تمتلك رؤية وإرادة ومرونة.

اليوم، يدخل الشرق الأوسط مرحلةً أشد تعقيدًا وأكثر سيولةً من أي وقت مضى.

فصعود الصين بوتيرة غير مسبوقة، وعودة روسيا، وتمدّد أدوار بعض الدول كتركيا وإيران وإسرائيل، كلها مؤشرات على نهاية عصر الانفراد بالقوة.

ولم يعد الصراع قائمًا على احتلال الأراضي فحسب، بل امتدّ ليشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والمعادن النادرة والممرات البحرية وسلاسل التوريد والسيطرة على البيانات.

والدليل الأبلغ على ذلك هو توظيف ورقة مضيق هرمز في المواجهة الإيرانية الأميركية الإسرائيلية؛ إذ أثبتت طهران أن الجغرافيا حين.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 27 دقيقة
منذ 11 ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 11 ساعة
منذ 11 ساعة
منذ ساعتين
خبرني منذ 10 ساعات
خبرني منذ ساعتين
وكالة عمون الإخبارية منذ 16 ساعة
خبرني منذ 10 ساعات
رؤيا الإخباري منذ 3 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 11 ساعة
خبرني منذ 8 ساعات
قناة المملكة منذ 3 ساعات