حينما ينام العالم

يأتي كتاب (حينما ينام العالم) للكاتبة الإيطالية فرنشيسكا ألبانيز في سياق جيوسياسي مأزوم، ليجسد صرخة قانونية وإنسانية تتجاوز مجرد التوثيق السردي لتتحول إلى فعل نضالي. لا يُعد الكتاب مجرد توثيق حقوقي في قالب سردي، بل هو تجسيد للاشتباك الوجودي بين ملاذ العقلانية (havre de rationalité) القانوني وبين وحشية الاحتلال. تبرز الأهمية الإستراتيجية لصدور هذا العمل في توقيتٍ تجاوزت فيه ألبانيز دور المراقب الأممي لتتحول إلى شاهدة مُستهدفة. فالكاتبة لم تعد تكتفي بكتابة التقارير، بل باتت تدفع ثمناً شخصياً باهظاً تجلى في إدراجها من قبل وزارة الخزانة الأمريكية في 9 يوليوز 2025 ضمن قائمة الأفراد المصنفين (Specially Designated Nationals)، لتغدو أول مسؤول أممي يُعامل على النحو الذي يُعامل به المجرم الدولي.

هذا الرفض الغريزي للظلم لم يأتِ من فراغ، بل صُهر في أزقة أريانو إيربينو بجنوب إيطاليا، وتغذى على مرارة صيف 1992 حين اغتالت المافيا القاضيين فالكوني وبورسيلينو. إن خلفية ألبانيز في مكافحة الجريمة المنظمة شكلت بوصلتها الأخلاقية، حيث رأت في الفوضى الفلسطينية مافيا دولية مُقننة. لقد تحول القانون الدولي في نظرها من نصوص صماء إلى أداة للمقاومة. من هنا ينبثق هيكل الكتاب كفعل احتجاجي يسعى لإيقاظ الضمير العالمي من سباته الدوغمائي العميق، محولاً المعرفة القانونية إلى صرخة إنسانية نابضة.

تبنت ألبانيز تقنية سردية فريدة أسمتها (بولارويد القدس)، وهي محاولة واعية لانتزاع الضحايا من غياهب الأرقام الصماء وتثبيت ملامحهم في ذاكرة التاريخ كصور فورية لا تقبل المحو. فمن خلال عدسة عشر شخصيات محورية، فككت المؤلفة الظلم البنيوي ببراعة الناقد الأدبي: فنجد (إيال) الصهيوني السابق الذي يرفض العودة إلى إسرائيل دون جواز سفر فلسطيني في دولة ديمقراطية واحدة، و(غابور) الناجي من الهولوكوست الذي يرى في معاناة الفلسطينيين عبثية تاريخية تُكرر مآسي الماضي بوجوه جديدة.

تتقاطع هذه القصص لتشكل نسيجاً للحقيقة، حيث توظف ألبانيز استعارات ثقافية كبرى لتوضيح كارثية المشهد. تشبه الكاتبة فلسطين بالمصفوفة (The Matrix) حيث يُجبَر من يبتلع حبة الدواء الحمراء (على غرار فيلم الماتريكس) رؤية الحقيقة البشعة للنظام العالمي بعيداً عن أوهام المصفوفة الدولية. كما تستحضر مفهوم الازدواجية الفكرية (Doublethink) لتشريح لغة كهنوت الإمبراطورية الذين يبيعون الوهم تحت مسميات السلام، بينما يكرسون الامتداد العقابي (Continuum Carceral) . تستلهم الكاتبة المفهوم الأخير من أعمال الفيلسوف مشيل فوكو، وفق رؤية قانونية وحقوقية تعتبر أن حالة الاحتجاز التي يعيشها الفلسطينيون لا تقتصر على جدران السجون التقليدية، بل تمتد لتشمل الحيز الجغرافي والاجتماعي والسياسي بالكامل. هذا الأمر يجعل الفلسطيني سجيناً ضمن نموذج للتحكم الاجتماعي يتجاوز أسوار السجن ليصبح التحكم منطقاً يسود المجتمع عبر الانضباط والمراقبة والتطبيع مع القمع.

في قلب أطروحة ألبانيز يبرز مصطلح نزع الطفولة (Unchilding)، وهو مفهوم دلالي عميق صاغته في تقريرها عام 2023 للتعبير عن إستراتيجية الاحتلال في تجريد الطفل الفلسطيني من حقه في الحماية. لم.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ ساعتين
جريدة أكادير24 منذ 4 ساعات
جريدة كفى منذ 19 ساعة
هسبريس منذ 10 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
جريدة أكادير24 منذ 15 ساعة
جريدة كفى منذ 19 ساعة
جريدة كفى منذ 5 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 22 ساعة