تتشارك الثقافة في معاني متعددة؛ إذ يُمكن تعريفها بأنها عملية مقدسة لتشكيل الطبيعة من قِبل الإنسان. لذا، يُمكننا القول إن الإنسان كائن ثقافي، بقدر ما تُجبره طبيعته على تغيير بيئته، وفي الوقت نفسه، على تحقيق تحوّله الخاص. فالثقافة، في آنٍ واحد، حركة، وتكوين لعقل يواجه مقاومة المادة، ومجموع المراحل السابقة التي تشمل مجمل التجربة الإنسانية. وبالتالي، فالثقافة طبيعية؛ إنها التعبير عن الطبيعة نفسها، وهي طبيعة تستمر من خلال الطبيعة البشرية.
الإنسان استثناء ثقافي… لأنّه يفتقر إلى الغريزة، لا يستطيع العيش بأمان في الطبيعة، على عكس باقي أنواع الحيوانات. لذا، عليه أن ينأى بنفسه عن هذه الطبيعة الخطيرة من خلال العمل، الذي يُعدّل به البيئة ليُهيّئها. وهكذا، يحمي الإنسان نفسه من الطبيعة من خلال الثقافة. فالثقافة تُبعد الإنسان عن الطبيعة، بل تُقصيه عنها.
نعرف جميعاً بأن مفهوم “الاستثناء الثقافي” كانت قد أفرزته مفاوضات اتفاقيات “الكات” (GATT)، وهي اختصار للاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة. وهي معاهدة دولية متعددة الأطراف أُبرمت في أكتوبر 1947، بهدف تحرير التجارة العالمية، وخفض الرسوم الجمركية، وإلغاء القيود. وهو يبدو مناسباً تماماً اليوم، في ظل التدافع الثقافي الحالي، كجزء من صراع الحضارات، لكنه لا يستطيع أن يمحو هوية الشعوب.
كنت قد أشرت في مقال سابق إلى أفكار الفيلسوفة “حنة أرندت” (Hannah Arendt)، وهي تناقش مفهوم “الاستثناء الثقافي” بالمعنى السياسي-الاقتصادي الحديث الذي تتبناه دول مثل فرنسا في اتفاقيات التجارة العالمية المذكورة سابقاً. ومع ذلك، قدّمت في كتابها “أزمة الثقافة” (1954) مقاربة فلسفية تعتبر الثقافة والفن “استثناءً” بطبيعتها؛ لأنها مجالات يجب حمايتها من المنطق التجاري واقتصاد السوق، علماً أنها ترفض تحويل الفن إلى سلعة، محذّرةً مما اعتبرته أزمة حقيقية في المجتمعات الحديثة، وهي تحويل الأعمال الفنية والثقافية إلى “سلع استهلاكية” خاضعة لمنطق الربح والخسارة. كما اعتبرت أن الأعمال الثقافية الحقيقية تنتمي إلى فئة “الخلود” والبقاء، وهي تتناقض تماماً مع الأشياء الاستهلاكية التي صُممت لتُستهلك وتفنى. وكيف أن الثقافة ضرورية للحفاظ على “عالم مشترك” يجمع البشر، وتساهم في تحفيز التفكير النقدي المستقل.
والسؤال هو: هل يمكن أن تكون الثقافة موضوعاً لمثل هذه المساومة الواسعة؟ سؤال نطرحه اليوم في ظل عولمة العنف والتشهير والإقصاء والإلغاء. لا شك أن الإجابة لا تكمن في السخط المبرر الذي يستاء من رؤية الإبداعات تُختزل إلى مجرد سلع وتفاهات. لطالما كان الفن والمال متداخلين! إنما طبيعة السوق هي ما يثير القلق حقاً. إن الخروج من اتفاقية “الجات” هو،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
