هل سنبقى قادرين على التفكير خارج النص؟
لم يعد الإنسان في عصرنا يبحث عن المعرفة بقدر ما يبحث عن الجواب. في الماضي كان السؤال بداية رحلة طويلة من التأمل والشك والبحث والقراءة. أما اليوم، فصار السؤال زرًا يُضغط، وجوابًا يظهر في ثوانٍ على شاشة مضيئة. وبين السؤال والجواب اختفت أحيانًا تلك المسافة الضرورية التي كان يتشكل فيها الفكر وينضج فيها الرأي. هذه هي المفارقة الكبرى التي يضعنا أمامها الذكاء الاصطناعي. لقد جاءنا بوصفه أداة لتحرير العقل البشري من الأعمال المرهقة، فإذا بنا نخشى أن يتحول تدريجيًا إلى وصيّ على هذا العقل نفسه. وجاء ليساعدنا على التفكير، فإذا بنا نميل إلى تفويضه مهمة التفكير عنا.
نعيش اليوم في عالم تغمره البيانات من كل جانب. بيانات عن ما نقرأه، وما نكتبه، وما نشتريه، وما نشاهده، وحتى عن الأماكن التي نزورها والأشخاص الذين نتحدث إليهم. كل حركة نقوم بها تترك أثرًا رقميًا يُضاف إلى محيط هائل من المعلومات. ومن هذا المحيط نشأ ما يُعرف بالبيانات الضخمة؛ ذلك الأرشيف الكوني الذي يكبر كل لحظة حتى يكاد يبتلع العالم نفسه. لم يعد الإنسان يكتب النصوص فقط، بل أصبح يعيش داخل نص عملاق تُسجَّل فيه تفاصيل حياته كلها. والذكاء الاصطناعي لا يعيش خارج هذا النص، بل يتغذى منه. فهو لا يرى العالم كما نراه نحن، ولا يعرف الفرح أو الحزن أو الحيرة أو الخوف. إنه يقرأ ما كُتب، ثم يعيد كتابة ما كُتب بصيغ جديدة. إنه أشبه بنسّاخ ماهر ينسج من خيوط النصوص القديمة ثوبًا جديدًا، لكنه لا يغادر النسيج الذي صُنع منه. كل جواب يقدمه الذكاء الاصطناعي هو في النهاية صدى لأصوات سابقة، وطبقة جديدة فوق طبقات لا حصر لها من الكلمات والمعارف والتجارب المدوّنة.
لكن الخطر لا يكمن هنا.
الخطر يبدأ عندما نعتاد هذه الأجوبة السريعة حتى نفقد الرغبة في البحث عن أجوبتنا الخاصة. فالإنسان لا يصبح مفكرًا لأنه يملك الأجوبة، بل لأنه يمتلك القدرة على طرح الأسئلة. أما حين تصبح الأجوبة جاهزة دائمًا، فإن السؤال نفسه يفقد قيمته. وهكذا يتحول التفكير من مغامرة فكرية إلى استهلاك يومي لأفكار معدّة سلفًا. أفكارا لا ناقة لك فيها ولا جمل لان وجود ثقافتك وحضارتك ورموزك الفكرية وغيرها إما لا وجود لها في العالم الإفتراضي وقواعد البيانات أو انها موجودة ولكنها قليلة وهامشية. لقد عرف عصرنا الوجبات السريعة، ويبدو أنه يتجه اليوم نحو إنتاج الفكر السريع والموحد وربما الوحيد أيضًا. أفكار جاهزة. تحليلات جاهزة. مواقف جاهزة. وحتى.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
