في لحظة فارقة من تاريخ العلاقات الأردنية الصينية، حيث يلتقي جلالة الملك عبدالله الثاني بفخامة الرئيس شي جين بينغ في بكين، تتجاوز الزيارة أبعادها البروتوكولية لتضع أمام البلدين سؤالًا إستراتيجيًا عميقًا: هل ستظل الشراكة محكومة بمنطق التبادل التقليدي أم ستتحول إلى أداة لصناعة قدرات مشتركة تصنع المستقبل؟ فالصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية كبرى تبحث عن أسواق وموارد، بل أصبحت مختبرًا عالميًا لبناء القدرات وربط التعليم بالصناعة والتكنولوجيا بالإنتاج والتخطيط طويل المدى بالنتائج الملموسة. والأردن، بما يمتلكه من موقع جغرافي فريد ورأس مال بشري نوعي واستقرار نسبي وعلاقات دولية متوازنة، يستطيع أن ينظر إلى هذه القوة ليس كمصدر للاستثمار فحسب، بل كشريك في إعادة تشكيل منظومته الاقتصادية والمعرفية.
راكمت العلاقات بين البلدين خلال العقد الماضي إنجازات ملموسة في التجارة والبنية التحتية والطاقة، وتعززت مكانة الصين بوصفها ثاني أكبر شريك تجاري للأردن وأكبر مصدر لوارداته، وامتدت الاستثمارات إلى قطاعات حيوية، واستفاد آلاف الأردنيين من برامج التدريب. غير أن تراكم الإنجازات لا يعني اكتمال الإستراتيجية. فالمطلوب اليوم ليس إدارة المزيد من الاتفاقيات، بل تصميم علاقة تنتج قيمة جديدة لم تكن موجودة قبل اللقاء. وهذا يعني الانتقال من سؤال ماذا سنبيع وماذا سنشتري إلى سؤال أعمق: ماذا نستطيع أن نبني معًا ولا يستطيع أي منا بناءه بالكفاءة ذاتها منفردًا؟
هنا تبرز أهمية رأس المال البشري كمحور مركزي. فالأردن لا يمتلك وفرة في الموارد الطبيعية، لكنه يمتلك قاعدة كفاءات في التعليم والطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات وريادة الأعمال. وإذا ارتبطت هذه الكفاءات بالاستثمار الصيني والتكنولوجيا المتقدمة والأسواق الإقليمية، فإنها تتحول من مورد بشري إلى أصل اقتصادي ومعرفي قادر على توليد قيمة مستدامة. ولهذا ينبغي أن يصبح انتقال المعرفة جزءًا أصيلًا من كل مشروع، لا نتيجة جانبية. فالمصنع الذي يُقام يجب أن يترك وراءه مهارات محلية وشركات أردنية تدخل سلاسل التوريد، والتكنولوجيا التي تدخل يجب أن تجد بيئة قادرة على استيعابها وتطوير تطبيقات جديدة حولها، والجامعات ومراكز البحث يجب أن تصبح جسورًا حقيقية للتعاون في الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية والصناعات المتقدمة.
في هذا السياق يعود طريق الحرير بمعناه الأوسع. فالطريق القديم حمل البضائع والأفكار، ومبادرة الحزام والطريق أعادت صياغة الترابط عبر البنية التحتية، أما المرحلة المقبلة فيمكن أن تفتح طريقًا ثالثًا للمعرفة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
