ياسين الهاشمي: بين القومية العربية وبناء الدولة المركزية في العراق

يصعب تقييم ياسين الهاشمي من خلال موقع واحد في تاريخ العراق الملكي. فهو لم يكن مجرد رئيس وزراء، ولا مجرد ضابط عثماني سابق، ولا مجرد قومي عربي. كان صاحب مشروع سياسي متكامل تقريباً: دولة عراقية قوية، جيش قوي، إدارة مركزية، استقلال أوسع عن بريطانيا، ودور عربي يتجاوز حدود العراق. لكن المشروع نفسه حمل داخله تناقضات عميقة. فكلما حاول الهاشمي تقوية الدولة، ازداد اعتماده على الجيش. وكلما حاول توحيد المجتمع تحت سلطة بغداد، اصطدم بتنوع العراق السياسي، والمذهبي، والقومي، والقبلي. وكلما ازداد نفوذه، بدأت مؤسسات الدولة نفسها تشعر بأن رئيس الوزراء أصبح مركز قوة ينافس القصر والخصوم السياسيين. ومن هنا يصبح السؤال الأهم: هل كان ياسين الهاشمي رجل دولة قومياً يسعى إلى بناء عراق قوي ومستقل، أم أن إيمانه بالدولة المركزية دفعه تدريجياً نحو حكم سلطوي أضعف التعددية السياسية التي كان العراق يحتاج إليها؟ من ضابط عثماني إلى قومي عربي ولد ياسين الهاشمي في بغداد سنة 1884 تقريباً، وتلقى تعليماً عسكرياً عثمانياً متقدماً، وأصبح من الضباط المحترفين في الجيش العثماني. لم يبدأ حياته السياسية ثائراً على الدولة العثمانية. شأنه شأن كثير من الضباط العرب في ذلك الزمن، بدأ مسيرته داخل المؤسسة العسكرية العثمانية، ثم تطورت لديه تدريجياً فكرة القومية العربية، خصوصاً مع تصاعد التوتر بين السلطة المركزية العثمانية والنخب العربية. وبعد انهيار الدولة العثمانية سنة 1918، أصبح من أبرز الضباط الذين عملوا مع الأمير فيصل في دمشق، وارتبط بالمشروع العربي الذي حاول إنشاء دولة مستقلة في سوريا. وكانت تلك التجربة حاسمة في تشكيل شخصيته السياسية. فهو خرج من دمشق بقناعة مزدوجة: العرب بحاجة إلى الاستقلال، لكن الاستقلال يحتاج إلى دولة وجيش وقوة حقيقية، لا إلى الشعارات وحدها. ومن هنا بدأت تتشكل فلسفته التي سترافقه لاحقاً في العراق. من المشروع العربي في دمشق إلى الدولة العراقية بعد سقوط المملكة العربية السورية أمام الفرنسيين سنة 1920، انتقل مركز نشاط الهاشمي السياسي إلى العراق. لكنه لم يتحول من قومي عربي إلى قومي عراقي ضيق؛ بل بقي يرى أن العراق جزء من فضاء عربي أوسع، وأن الدولة العراقية يمكن أن تصبح قاعدة لقوة عربية أكبر. وهنا يختلف نسبياً عن بعض رجال الدولة العراقية الذين أصبح اهتمامهم الأساسي منصباً على تثبيت مؤسسات العراق وحدوده وعلاقاته الدولية. كان الهاشمي يريد الأمرين معاً: دولة عراقية قوية، ومشروع عربي أوسع. ولذلك أصبحت سوريا وفلسطين، ومعهما شرق الأردن بحكم موقعه وصلته بالمشروع العربي الهاشمي، جزءاً مهماً من رؤيته السياسية، ولم يرَ أن استقلال العراق وحده يكفي إذا بقيت أجزاء أساسية من المشرق العربي تحت الانتداب والنفوذ الأجنبي. صعوده في الدولة العراقية دخل ياسين الهاشمي الحياة السياسية العراقية بقوة، وتولى مناصب وزارية وبرلمانية متعددة، وأصبح من أبرز رجال المعارضة قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة. تولى رئاسة الوزراء مرتين، وكانت رئاسته الثانية بين عامي 1935 و1936 هي المرحلة الأهم في حياته السياسية. في هذه المرحلة لم يعد مجرد رئيس حكومة، بل أصبح صاحب نفوذ واسع في البرلمان والإدارة والجيش والحركة القومية. وكان يريد تنفيذ مشروع واضح: تقوية الحكومة المركزية، وتوسيع الجيش، وإقرار التجنيد، وتعزيز سيطرة الدولة على جميع أنحاء البلاد، وتقليص قدرة القوى المحلية والقبلية على تحدي بغداد. وهنا بدأ خصومه يتهمونه بالسعي إلى بناء حكم شخصي قوي. علاقته بجعفر العسكري ونوري السعيد كان ياسين الهاشمي جزءاً من الجيل نفسه الذي ضم جعفر العسكري ونوري السعيد، وجمعت الثلاثة خلفية عسكرية عثمانية وتجربة سياسية متصلة بالثورة العربية وبناء الدولة العراقية، لكنهم اختلفوا في الأسلوب وفي نظرتهم إلى بريطانيا ودور الدولة. كانت علاقة ياسين بـ جعفر العسكري أقرب إلى علاقة الشراكة داخل المشروع السياسي نفسه. كلاهما كان ضابطاً عثمانياً سابقاً وقومياً عربياً، وكلاهما ساهم في بناء الدولة العراقية والجيش. لكن جعفر كان أكثر استعداداً للتسوية السياسية والتعاون المرحلي مع بريطانيا، بينما كان ياسين أكثر تشدداً في تقليص النفوذ البريطاني وأكثر ميلاً إلى تركيز سلطة الدولة. ولم تكن الخلافات بينهما خصومة جوهرية؛ والدليل أن جعفر كان وزير الدفاع في حكومة ياسين سنة 1936، وقُتل أثناء محاولته وقف انقلاب بكر صدقي الذي أطاح بحكومة ياسين. أما علاقته بـ نوري السعيد فكانت أكثر تنافساً. كلاهما كان قومياً عربياً ورجل دولة ذا طموح كبير، لكن نوري رأى أن التحالف مع بريطانيا يمثل عنصراً استراتيجياً مهماً لأمن العراق وموقعه الإقليمي، بينما كان ياسين يريد عراقاً أقل اعتماداً عليها وأكثر استقلالاً في قراره. ولذلك امتزجت العلاقة بينهما بالتعاون في بعض المراحل والمنافسة على النفوذ داخل الحكومة والقصر والجيش في مراحل أخرى. ويمكن القول باختصار إن الثلاثة مثلوا اتجاهات مختلفة داخل النخبة العراقية المبكرة: جعفر العسكري رجل دولة توافقي، وياسين الهاشمي قومي مركزي، ونوري السعيد رجل تحالفات واستراتيجية دولية. رجل دولة أم زعيم سلطوي؟ لم يكن ياسين الهاشمي دكتاتوراً بالمعنى الكامل للكلمة. لم يلغِ الملكية، ولم يُلغِ البرلمان، ولم يؤسس نظام حزب واحد أو نظاماً شمولياً. لكن حكومته الثانية أظهرت بلا شك نزعة سلطوية واضحة. ازداد نفوذ الحكومة في البرلمان، وتعرضت بعض الصحف المعارضة للتضييق، واستخدم الجيش لقمع عدد من الانتفاضات الداخلية، كما ازداد اعتماد الدولة على الإدارة المركزية والأجهزة العسكرية. وكان منطقه بسيطاً: العراق لا يستطيع أن يصبح دولة قوية إذا بقيت السلطة موزعة بين الحكومة وشيوخ القبائل والزعامات المحلية والقوى الأجنبية. لكن المشكلة أن هذا المنطق يمكن أن يتحول بسهولة إلى: الدولة تحتاج إلى قيادة قوية، والقيادة القوية تحتاج إلى تقليل قدرة المعارضة على تعطيلها. وهنا يصبح الخط الفاصل بين بناء الدولة وتركيز السلطة خطاً دقيقاً جداً. علاقته بالملك فيصل الأول كانت علاقته بفيصل الأول علاقة شراكة وحذر في آن واحد. جمعهما المشروع العربي في دمشق، وكان الاثنان يؤمنان بالعروبة وبضرورة بناء دولة عراقية قوية. لكن شخصيتيهما وأساليبهما اختلفتا. فيصل كان أكثر واقعية ومرونة، وأكثر استعداداً للتدرج في التعامل مع بريطانيا والقوى العراقية المختلفة. أما ياسين فكان أكثر اندفاعاً نحو بناء القوة العراقية، وأكثر شكاً في النوايا البريطانية، وأقل استعداداً للقبول بأن تبقى الحكومة محدودة الحركة بسبب نفوذ القصر أو البريطانيين. ولهذا لم يكن فيصل يرفض ياسين، لكنه كان حريصاً على ألا يصبح مركز قوة مستقل عن الملك. يمكن القول إن فيصل كان يريد استيعاب ياسين داخل النظام، بينما كان ياسين يريد أن يكون رئيس الوزراء شريكاً حقيقياً في صنع القرار لا مجرد منفذ لسياسة القصر. علاقته بالملك غازي بعد وفاة فيصل سنة 1933 وتولي الملك غازي، تغير التوازن. كان غازي شاباً أقل خبرة من والده، بينما أصبح ياسين واحداً من أقوى رجال العراق وأكثرهم خبرة وتنظيماً. ولم يكن الخلاف بينهما خلافاً بين ملك موالٍ لبريطانيا ورئيس وزراء قومي، لأن غازي نفسه كان ذا ميول قومية عربية. المشكلة كانت أعمق: من يقود الدولة فعلياً؟ هل القصر هو مركز القرار؟ أم الحكومة؟ أم الجيش الذي بدأ يتحول إلى قوة سياسية؟ لم يسعَ ياسين إلى إسقاط الملكية، لكنه أصبح من القوة بحيث لم يعد يعتمد بالكامل على رضا القصر. وهذا جعل العلاقة بين رئيس الوزراء والملك أكثر حساسية، وساهم في خلق البيئة التي أصبح فيها انقلاب 1936 ممكناً. موقفه من بريطانيا لم يكن ياسين الهاشمي رجل مواجهة عسكرية مع بريطانيا، لكنه كان أقل ثقة بها من جعفر العسكري وأقل ارتباطاً بها من نوري السعيد. كان يرى أن النفوذ البريطاني، حتى بعد استقلال العراق ودخوله عصبة الأمم سنة 1932، بقي قيداً على استقلال القرار العراقي. فالمعاهدات أبقت لبريطانيا نفوذاً عسكرياً واستراتيجياً مهماً، واستمر وجودها في القواعد والمصالح المرتبطة بالنفط والسياسة الخارجية. ولذلك كان الهاشمي يريد أن يصبح العراق أقل اعتماداً على بريطانيا. وكان الجيش بالنسبة إليه أداة أساسية لتحقيق ذلك. كلما أصبح الجيش العراقي أقوى، أصبحت الدولة أقل حاجة إلى القوة البريطانية. لكن ياسين لم يكن عقائدياً إلى درجة رفض التعاون معها عندما تتفق المصالح. في قضية الموصل مثلاً، تعاونت الحكومة العراقية مع بريطانيا لأن الطرفين أرادا بقاء الموصل ضمن العراق. وهذا يوضح أن سياسته لم تكن قائمة على معادلة: بريطانيا عدو دائماً. بل كانت تقوم على: التعاون عندما تخدم العلاقة مصلحة العراق، ومقاومة النفوذ عندما يقيد سيادته. سوريا: المجال الأقرب إلى مشروعه العربي كانت سوريا أقرب البلدان العربية إلى وجدان ياسين الهاشمي السياسي. فقد عاش تجربة فيصل في دمشق، وارتبط بشبكة القوميين العرب فيها، وظل ينظر إليها باعتبارها جزءاً من المجال العربي الذي ينبغي أن يتحرر من الانتداب الفرنسي. ولذلك لم يكن غريباً أن يحظى بمكانة كبيرة لدى القوميين السوريين. وعندما توفي في المنفى سنة 1937، تحولت جنازته في دمشق إلى تظاهرة قومية عربية، ودُفن بالقرب من ضريح صلاح الدين. وكانت هذه النهاية ذات دلالة رمزية كبيرة: رئيس وزراء عراقي سابق يُدفن في دمشق بوصفه أحد رموز المشروع العربي، لا مجرد سياسي عراقي. الأردن كانت علاقته بالأردن جزءاً من البيئة السياسية التي خرجت من الثورة العربية الكبرى وتجربة الحكم العربي في دمشق. كان يرى شرق الأردن دولة عربية شقيقة ضمن فضاء سياسي وتاريخي مشترك، لكنه لم يرتبط بعمان بالدرجة نفسها التي ارتبط بها جعفر العسكري أو رجال آخرون قريبون مباشرة من الأسرة الهاشمية. ومع ذلك فإن موقع الأردن كان مهماً في نظرته إلى المشرق العربي، ولا سيما بسبب تداخله الجغرافي والسياسي مع سوريا وفلسطين والعراق. ولهذا لا ينبغي النظر إلى فلسطين في فكر رجال ذلك الجيل بمعزل عن الأردن؛ فشرق الأردن وفلسطين كانا جزءاً من المجال الذي أعيد تشكيله سياسياً بعد الحرب العالمية الأولى، وكان استقرار الأردن ودوره السياسي مرتبطين مباشرة بما يجري في فلسطين. بالنسبة إلى ياسين، بقيت بغداد ودمشق المحورين الأهم، لكن الأردن كان حلقة أساسية بين العراق.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 47 دقيقة
منذ 59 دقيقة
منذ 46 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 54 دقيقة
منذ ساعة
خبرني منذ 8 ساعات
خبرني منذ 4 ساعات
قناة رؤيا منذ 12 ساعة
خبرني منذ 8 ساعات
خبرني منذ 11 ساعة
خبرني منذ 3 ساعات
خبرني منذ 4 ساعات
خبرني منذ ساعتين