صادف تكريمُ سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، حفظه الله لمعالي الدكتور حمدان مسلم المزروعي أهلَه، وحلَّ من الرجل محلَّه، فأثار في نفسي ذكرى عهدٍ يمتد زهاء عشرين عاماً. وإذا بي أعود إلى ذلك اليوم الأول، يوم قادتني لطائف الأقدار إلى مقابلة أكاديمية، فجلست بين يدي رجلٍ أصبح له في مسيرتي أثرٌ بعيد الغور، فقد كنت يومئذ شابًّا أتهيأ للمضي في العلوم والدراسات الإسلامية، وأحسب أن غاية ذلك اللقاء سؤال يُلقى، وجواب يُرتجل، ثم ينصرف كلُ امرئٍ إلى سبيله، فلما دخلت المجلس، ووقعت عيني على معالي الدكتور حمدان مسلم المزروعي، وكان آنئذٍ رئيساً للشؤون الإسلامية والأوقاف، أحسست بأنني بإزاء رجل قد روّضته التجارب، فهو يتلقى حديث الشاب في رفق، وينفذ من عبارته إلى دخيلته، ويزن مخايل النبوغ فيه بميزان المعرفة، وقد جرت تلك المقابلة رخيّة السياق، استكشافية السؤال، ثم رفع إليّ وجهاً طلقاً وقال: «يا عمر، ادعُ لي»، فدخلت كلمته قلبي.
خرجت من المقابلة، وخرج معي خيط خفي مدته الأيام حتى صار صحبة عقدين، وكلما انعقدت منها حلقة انكشف لي من الرجل معنى جديد، فهو بصير بالرجال، عليم بمخابئ المواهب، يدرك في الفتى ما يغيب عن الفتى نفسه، ثم يدنيه، ويجعل له نصيباً من المجلس، ويقحمه في ميدان العمل، ويرقبه بعين الأستاذ الذي تسره نجابة تلميذه. وقد شملني من عنايته ما أطوّق به عنقي شكراً، فألحقني بمكتبه بعد التخرج، وأطلعني على دقائق إدارة الخطاب الديني، وأخذ بيدي إلى المحراب والمنبر، حتى غدوت أقرأ في إشراقة وجهه، حين يرى إماماً مواطناً قائماً في الناس، سرور الغارس بالشجرة يوم ترفع رأسها إلى الشمس، فقد أحب أن يرى أبناء الإمارات حملةً للعلم، أمناء على الكلمة، تعلو سمتهم قيم الدين، وتجري في عروقهم عزة الوطن.
وبيني وبينه من حديث الفكر والأدب مجال رحب، وكنت أشعر بتشجيعه في ذلك، يروقه ما أكتب، ويستحسن رأيي في كثير من الأطاريح، وربما وقعت عينه على عبارة لي فرددها مستملحاً جرسها، أو عرضت عليه خاطراً فأصغى إليه، ثم أدار الحديث حوله في رفق، فيعود الخاطر إليّ وقد اتسعت جوانبه، وأشعرني ذلك التقدير بقيمة الكلمة وسداد الفكرة، فإن إعجاب رجل خبر العلم والإدارة بما يخطه قلم ناشئ يبعث في صاحبه قوة هادئة، ويجعله أشد تنقيحا لعبارته، وأحرص على أن يبلغ بما يكتب منزلة الظن الحسن الذي أودعه أستاذه فيه. وهكذا علمني بصنيعه أن رعاية الشباب فنٌ دقيق، قوامه أن تضع الثقة في موضعها، ثم تتركها تعمل في النفس عمل المطر في البذرة.
صحبته في السفر والحضر، فرأيته موصول الفكر بشؤون وطنه، إذا هدأ المجلس أخذ يحدثنا عن الإمارات، وعن حقها في أعناق أبنائها، وعن الأمانة الملقاة على من تصدى للخطاب الديني، ثم يفضي بنا الحديث إلى مسالك التطرف، فيكشف مذاهب دعاته في اقتناص الشباب، ويفتق عيوننا على ما يندس في ثنايا الشعارات من حيلة، وما يتوارى خلف الحماسة من هوى، حتى تعلمنا منه أن صيانة الدين تقتضي عقلاً يقظاً، وأن محبة الوطن عهد يُؤدى في صحة الفكرة ونزاهة الكلمة وحسن القيام بالواجب.
وقد نزل بي، أيام الطلب، عارض.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
