تحولات السلوك الانتخابي

تحولات السلوك الانتخابي في العالم القروي المغربي : الوساطة، الثقة والعزوف.

تمهيد: نحو قراءة سوسيولوجية للسلوك الانتخابي القروي

كثيرًا ما يُنظر إلى السلوك الانتخابي في العالم القروي من خلال ثنائية مبسطة تقابل بين “وعي سياسي حضري” و”تصويت قروي تحكمه العلاقات الشخصية والعائلية”. غير أن هذه المقاربة تختزل ظاهرة اجتماعية وسياسية مركبة، وتتجاهل أن الاختيار الانتخابي، سواء في المدينة أو القرية، يتشكل من تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية ومؤسساتية ومجالية.

فالمواطن القروي لا يصوت بالضرورة خارج السياسة، بل قد يمارس السياسة انطلاقًا من شروط اجتماعية مختلفة، ومن سلم أولويات يرتبط بصورة مباشرة بالحياة اليومية: الماء، الصحة، التعليم، الطرق، النقل، فرص الشغل، الدعم الفلاحي والحماية الاجتماعية. ومن ثم، فإن فهم التصويت القروي يقتضي الانتقال من سؤال: لماذا يصوت سكان القرى بطريقة مختلفة؟ إلى سؤال أكثر تركيبًا: كيف تتشكل الاختيارات السياسية في سياق اجتماعي ومجالي تختلف فيه الموارد وشبكات النفوذ وفرص الوصول إلى المؤسسات؟

وهنا تكتسب أعمال Rémy Leveau أهمية خاصة؛ فقد درس الانتخابات المغربية باعتبارها ظاهرة سوسيولوجية وسياسية، وربط السلوك الانتخابي بشبكات القرابة والثروة والعلاقات الاجتماعية وطرق تعبئة الناخبين، كما تعامل مع الامتناع الانتخابي باعتباره ظاهرة سياسية واجتماعية لا مجرد غياب عن صناديق الاقتراع.

وبالمثل، يسمح مفهوم الحقل السياسي عند Pierre Bourdieu بفهم الانتخابات باعتبارها مجالًا يتنافس داخله فاعلون يمتلكون موارد متفاوتة: اقتصادية، اجتماعية، رمزية وتنظيمية. فالمرشح لا يعتمد فقط على برنامجه الحزبي، وإنما يستند كذلك إلى شبكة علاقاته ومكانته الاجتماعية وقدرته على إنتاج الثقة والاعتراف.

أولًا: لماذا يصوت الناخب القروي؟

لا يمكن اختزال الاختيار الانتخابي في العالم القروي في عامل واحد. فهناك على الأقل أربعة مستويات متداخلة يمكن أن تساعد على فهمه.

1- الأولويات التنموية المباشرة

تحتل الخدمات الأساسية موقعًا مركزيًا في علاقة المواطن القروي بالسياسة. فالماء الصالح للشرب، والمسالك والطرق، والمستوصفات، والمدارس، والنقل المدرسي، والكهرباء، والاتصال الرقمي، كلها قضايا يمكن للمواطن أن يقيس أثرها بصورة مباشرة.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون التصويت المرتبط بالمصلحة المحلية شكلًا من أشكال العقلانية السياسية، وليس دليلًا على غياب الوعي السياسي. فالناخب قد يختار المرشح الذي يعتقد أنه قادر على الدفاع عن مصالح منطقته أو إيصال مطالبها إلى المؤسسات.

2- سياسة القرب والوساطة

تؤدي العلاقات الشخصية والاجتماعية دورًا مهمًا في بعض المناطق القروية. ويستطيع المرشح الذي يمتلك شبكة واسعة من العلاقات أن يحول رأس ماله الاجتماعي إلى مورد انتخابي.

وهنا يمكن الاستفادة من مفهوم الرأسمال الاجتماعي لفهم كيف تتحول الثقة والعلاقات والشبكات إلى موارد سياسية. كما يسمح مفهوم الرأسمال الرمزي عند Bourdieu بفهم المكانة الاجتماعية والسمعة والاعتراف باعتبارها موارد يمكن أن تؤثر في عملية الاختيار السياسي. ولا يعني ذلك أن الناخب “تابع” بصورة آلية للمرشح أو للعائلة أو للزعيم المحلي؛ فالوساطة نفسها تخضع للتفاوض والتقييم والمساءلة.

3- الشخص والحزب والبرنامج

في بعض السياقات القروية قد يحتل المرشح وشخصيته ومكانته المحلية موقعًا بارزًا في الاختيار، بينما يحتل البرنامج الحزبي موقعًا أكبر في سياقات أخرى. لذلك من الأدق الحديث عن تداخل التصويت الشخصاني والتصويت الحزبي والتصويت البراغماتي، بدل إقامة ثنائية صارمة بين القرية التي “تصوت للأشخاص” والمدينة التي “تصوت للبرامج”.

وتشير الأدبيات المتعلقة بالأحزاب المغربية إلى أن الحدود بين “أحزاب المناضلين” و”أحزاب الأعيان” ليست ثابتة، وأن التحولات الاجتماعية والسياسية أعادت تشكيل هذه الأنماط وتداخلها.

4- التصويت باعتباره علاقة بالمستقبل

لا يعبّر التصويت فقط عن تقييم الماضي؛ فقد يكون أيضًا رهانًا على المستقبل. فالناخب قد يمنح صوته لمن يعتقد أنه قادر على جلب مشروع أو خدمة أو استثمار إلى المنطقة. ومن هنا يمكن فهم التصويت باعتباره تبادلًا سياسيًا للثقة والتوقعات، وليس مجرد استجابة عاطفية أو قبلية.

ثانيًا: الأعيان والوساطة المحلية: من النفوذ التقليدي إلى إعادة التشكل

يمثل مفهوم “الأعيان” أحد المفاتيح الأساسية لفهم جزء من التاريخ السياسي والانتخابي للعالم القروي المغربي. وقد أبرز Rémy Leveau أهمية النخب المحلية والوسطاء في تنظيم العلاقة بين المجال القروي والمؤسسات السياسية، موضحًا كيف استُخدمت شبكات النخب الريفية في بناء التحالفات السياسية بعد الاستقلال.

غير أن مفهوم “الاعيان” نفسه يحتاج إلى تحديث. فالعين المعاصر ليس بالضرورة فقط مالكًا كبيرًا للأرض أو زعيمًا عائليًا؛ فقد يكون رجل أعمال محليًا، أو فاعلًا جمعويًا، أو منتخبًا سابقًا، أو شخصًا يمتلك شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. ومن منظور Max Weber، يمكن فهم هذا النفوذ من خلال تداخل أنماط مختلفة من الشرعية: التقليدية، والشخصية، والقانونية-العقلانية.

وبذلك، فإن النفوذ المحلي لا يقوم فقط على القوة الاقتصادية، وإنما على الثقة والسمعة والقدرة على الوساطة والتمثيل والوصول إلى المؤسسات.

ثالثًا: هل ما زال “التصويت للأعيان” كافيًا لتفسير النتائج؟

يبدو من الصعب اليوم تفسير السلوك الانتخابي القروي اعتمادًا على النموذج التقليدي وحده. فالمجال القروي المغربي عرف تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة:

-ارتفاع مستويات التعليم؛

-توسع الهجرة القروية؛

-تغير البنية الاقتصادية للأسر؛

-انتشار الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي؛

-توسع الجمعيات المحلية؛

-تطور العلاقة مع الجماعات الترابية؛

-تنامي مطالب الشباب؛

وتزايد الاهتمام بقضايا الماء والمناخ والهجرة والتشغيل.

وهذه التحولات تعيد تشكيل علاقة المواطن بالمرشح والحزب والدولة. وقد أشار محمد طوزي، في تحليله للحياة السياسية المغربية، إلى ضرورة عدم اختزال السياسة في المؤسسات الحزبية والانتخابات وحدها، لأن جزءًا من التعبئة والمطالب السياسية أصبح يُمارس أيضًا في المجالات الترابية والجمعياتية والاجتماعية .

وبذلك، فإن العزوف عن التصويت لا يعني بالضرورة العزوف عن السياسة. فقد يكون المواطن غير منخرط انتخابيًا، لكنه حاضر في النقاشات المحلية أو الجمعيات أو الاحتجاجات أو المطالب الاجتماعية.

رابعًا: انتخابات 2026 والعزوف الانتخابي في العالم القروي

تكتسب انتخابات 23 سبتمبر 2026 أهمية خاصة في دراسة هذه التحولات. فحسب المعطيات الرسمية، بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة 15,801,162 ناخبًا، يمثل الوسط الحضري منهم 55% والوسط القروي 45%.. وبلغت نسبة المشاركة الوطنية في الانتخابات التشريعية 38.02%، وفق إعلان وزارة الداخلية. غير أن هذه النسبة الوطنية لا تسمح وحدها بإثبات أن العزوف في القرى بلغ المستوى نفسه الذي بلغه في المدن. لذلك ينبغي تجنب التعميم والتمييز بين المعطى الوطني وبين التوزيع المجالي للمشاركة.

لكن التقارير الميدانية السابقة والمواكبة الإعلامية لانتخابات 2026 تشير إلى أن مسألة فتور المشاركة لم تعد مقتصرة على المجال الحضري، وأن جزءًا من سكان القرى بات أكثر تشككًا في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية. وهذا التحول يستحق أن يُقرأ سوسيولوجيًا باعتباره احتمالًا لانتقال العلاقة من التعبئة الانتخابية التقليدية إلى المساءلة والانتقائية والعزوف.

خامسًا: من “العزوف” إلى “أزمة التمثيل”.

لا ينبغي النظر إلى انخفاض المشاركة باعتباره مجرد مشكلة انتخابية تقنية. فالامتناع عن التصويت يمكن أن يكون نتيجة عوامل متعددة، منها:

-ضعف الثقة في المؤسسات؛

-عدم الاقتناع بقدرة الأحزاب على تنفيذ وعودها؛

-ضعف حضور الأحزاب خارج الفترات الانتخابية؛

-الشعور بعدم جدوى المشاركة؛

-تغير أولويات الشباب؛

-الهجرة القروية؛

أو عدم العثور على مرشح يُنظر إليه.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
هسبريس منذ 13 ساعة
هسبريس منذ 9 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 8 ساعات
أحداث الداخلة منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
Le12.ma منذ 6 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 9 ساعات