لم يكن رفض مكونات تحالف اليسار المشاركة في المشاورات بمقر حزب الأصالة والمعاصرة مجرد تفصيل بروتوكولي عابر ولا مجرد اختلاف حول مكان عقد اجتماع فحين يتعلق الأمر بمشاورات مرتبطة بتشكيل الحكومة يصبح المكان جزءًا من الرسالة السياسية
فالمقر الحزبي مهما كانت مكانة الحزب الذي يحتضنه يظل فضاءً تنظيميًا خاصًا يحمل رمزية صاحبه ويعكس موقعه داخل التنافس السياسي..أما المشاورات المرتبطة بتشكيل الحكومة فتتجاوز حدود العلاقات بين الأحزاب لأنها تلامس مسارًا مؤسساتيًا للدولة المغربية
فالمفارقة أن تُدعى الأحزاب إلى مشاورات تتعلق بتشكيل حكومة يفترض أن تمثل المغاربة جميعاً داخل المقر المركزي لحزب الأصالة والمعاصرة وكأن مؤسسات الدولة بما تحمله من رمزية دستورية وطنية لم تعد تتسع لهذا الاستحقاق أو كأن المشاورات الحكومية شأن حزبي داخلي لا يحتاج سوى إلى قاعة اجتماعات ولافتة سياسية.
هنا تحديدًا تكمن دلالة المكان فالمقر الحزبي مهما كانت أهميته التنظيمية والسياسية يظل فضاءً خاصًا يعكس هوية حزب بعينه بينما يفترض في المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة أن تجسد منطق الدولة وأن توفر لجميع الأطراف شروطًا متكافئة من الحياد والاستقلالية والاعتبار السياسي.
لذلك فإن رفض تحالف اليسار المشاركة في هذه المشاورات داخل مقر حزب منافس والمطالبة باعتماد فضاء محايد لا يمكن اختزاله في حساسية بروتوكولية بل موقف يثير نقاشًا مشروعًا حول الرمزية السياسية للمؤسسات وحول ضرورة الفصل بين الصفة الحزبية للشخص المكلف بتشكيل الحكومة والمسؤولية الوطنية التي تفرضها مهمته.
فبمجرد الانتقال من موقع القيادة الحزبية إلى مسؤولية تدبير مشاورات تشكيل الحكومة يصبح المطلوب أكثر من مجرد تغيير الصفة في الخطاب الرسمي إلى تجسيد هذا التحول في الممارسة وفي اختيار الفضاءات وفي طريقة التعامل مع مختلف الفرقاء السياسيين.
فالدولة لا تُدار بمنطق الامتداد التنظيمي للحزب ولا تُختزل مؤسساتها في مقراته مهما بلغت قوته أو اتسعت دائرة نفوذه.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من اختار القاعة ولا من اعترض على مكان الاجتماع بل أي رسالة سياسية يراد توجيهها من خلال هذا الاختيار؟
وكيف يمكن إقناع الفرقاء بأن المشاورات تجري على أرضية مشتركة بينما يحتضنها فضاء يحمل هوية طرف من أطرافها
قد يبدو الأمر تفصيلًا صغيرًا في حسابات السياسة اليومية لكنه في ميزان بناء الثقة المؤسساتية ليس تفصيلًا بلا معنى
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بما تنص عليه القوانين والدساتير بل أيضًا بما تنتجه الممارسة من أعراف وتقاليد تحترم التعدد وتصون استقلالية الفاعلين وتمنع الخلط بين ما هو حزبي وما هو وطني.
ومن هذه الزاوية فإن موقف تحالف اليسار يفتح نقاشًا يتجاوز واقعة المكان إلى طبيعة الثقافة السياسية التي تؤطر الممارسة الحزبية:
هل نحن أمام انتقال فعلي نحو ترسيخ أعراف ديمقراطية مستقرة أم ما زلنا أسرى منطق يعتبر أن حدود الحزب يمكن أن تتسع عند الحاجة لتستوعب رمزية الدولة ومؤسساتها. ؟
فالدولة ليست ضيعة حزبية والوطن ليس غرفة اجتماعات.. والديمقراطية لا تحتاج إلى حجز مسبق داخل مقر أحد المنافسين.
تحتاج قبل كل شيء إلى مؤسسات واضحة الأدوار وقواعد تحترم الجميع وممارسة سياسية تجعل المصلحة العامة أوسع من حدود المقرات الحزبية
يوسف غريب كاتب صحفي
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
