من المفارقات اللافتة في المجال الطبي أن الأمراض النادرة تشكّل مجتمعةً أحد أبرز التحديات المؤثرة على صحة الإنسان. وتصنِّف منظمة الصحة العالمية المرض الذي يصيب أقل من شخص واحد من بين كل 2000 شخص
على أنه مرض "نادر". وتشير البيانات إلى أن ما يزيد على 300 مليون شخص حول العالم
يعيشون مع أحد الأمراض المصنَّفة ضمن هذه الفئة، والبالغ عددها قرابة 7000
مرض، وهو ما يفوق عدد حالات السرطان المشخّصة في الأعوام الخمسة الأخيرة بنحو ستة أضعاف.
وتتفاقم التحديات المرتبطة بالأمراض النادرة في ظل خضوع سياسات التمويل الصحي لمنطق تحليل التكلفة والعائد، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى توجيه الموارد نحو البحث والرعاية الخاصة بالأمراض ذات معدلات الانتشار الأعلى. ويُسهم ضعف الوعي المجتمعي ومحدودية الدراسات الطبية المتاحة في تعميق هذه التحديات، ولا سيما في ظل الصعوبات التي تعترض تشخيص الأمراض النادرة، الأمر الذي قد يحول دون حصول المصابين على الرعاية الصحية اللازمة.
وفي هذا السياق، تأتي الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في مقدمة التقنيات التي أسهمت في الارتقاء بمخرجات الرعاية الصحية عبر إعادة مواءمة اعتبارات الجدوى والتكلفة. فقد أحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في مجالي علم الجينوم وتسلسل الحمض النووي، ما أتاح للباحثين توسيع نطاق أبحاثهم على مستوى عالمي، وتبادل النتائج عبر الحوسبة السحابية، وتطوير مقاربات مبتكرة تفضي إلى فهم أعمق لتجارب المرضى.
التحديات المرتبطة بتشخيص وعلاج الأمراض النادرة
تُعدّ أمراض العصبون الحركي، والتليف الكيسي، وضمور دوشين العضلي، والهيموفيليا (الناعور) من أبرز الأمثلة على الأمراض النادرة. وتتشابه هذه الأمراض - شأنها شأن العديد من الأمراض النادرة الأخرى - في طبيعتها الوراثية المرتبطة بالحمض النووي ( DNA
)، مع تباين مظاهرها السريرية من حيث طبيعة الأعراض وتوقيت ظهورها. وتشير التقديرات إلى أن نحو 80% من الأمراض النادرة
ذات أصل وراثي، وهو ما يفسّر محدودية انتشارها وصعوبة الإحاطة بها علمياً في كثير من الأحيان. ونظراً لاعتمادها على أنماط التعبير الجيني، لا على تأثير العوامل المُمرِضة الخارجية أو المؤثرات البيئية، فإنها غالباً ما تقع خارج نطاق وسائل التشخيص الطبية التقليدية.
لا تندرج جميع الأمراض النادرة ضمن فئة الاضطرابات الوراثية؛ إذ ينجم بعضها عن عدوى بكتيرية أو فيروسية نادرة، أو عن اضطرابات في المناعة الذاتية، أو عن طفرات جينية عشوائية، وهي حالات تواجه بدورها تحديات متقاربة. وبما أن هذه الأمراض تُصيب أفراداً متفرقين لا جماعات واسعة، يظل حضورها في الوعي العام محدوداً. كما أن عدم ظهورها في صورة أوبئة أو جوائح يقلّل من الإحساس المجتمعي بخطورتها. وإضافة إلى ذلك، فإن إصابة الأطفال بعدد كبير من هذه الأمراض تجعل من الصعب على المصابين التعبير الدقيق عن أعراضهم، ما يزيد من تعقيد عملية التشخيص، ويؤدي إلى معاناة كبيرة للمرضى وعائلاتهم.
مقاربة معمّقة للأمراض النادرة من منظور علم الجينوم
يسهم التقدّم المتواصل في المعرفة العلمية واستمرار الجهود البحثية في توضيح الأهمية المتنامية للاختبارات الجينية باعتبارها ركيزة أساسية في تشخيص طيف واسع من الأمراض النادرة. وفي هذا الإطار، تعمل مؤسسة جينوميكس إنجلاند بالتعاون مع أمازون ويب سيرفيسز وشريكها إيلومينا على إدماج التحليل الجينومي ضمن المسار التشخيصي، ما يُحدث نقلة نوعية في تسريع عملية تأكيد الحالات المشتبه بإصابتها بأمراض نادرة.
وقد أرسى مشروع "مئة ألف جينوم" الأسس الضرورية لاعتماد تسلسل الجينوم الكامل للمرضى الذين يُشتبه بإصابتهم بأمراض نادرة، وذلك في إطار خدمة الطب الجينومي التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية. وأسهمت هذه الخدمة، بدعم من جينوميكس إنجلاند، في تسلسل أكثر من 100
ألف جينوم، لتغدو هيئة الخدمات الصحية الوطنية أول منظومة صحية وطنية في العالم تُدرج تسلسل الجينوم الكامل ضمن الرعاية الطبية الروتينية.
أثر التشخيص الدقيق في إحداث فرق ملموس
يكتسب التشخيص الدقيق القائم على علم الجينوم أهمية بالغة بالنسبة للمصابين بالأمراض النادرة وعائلاتهم، لما له من دور حاسم في توجيه مسار الرعاية والعلاج. فعلى سبيل المثال، مكّنت خدمة الطب الجينومي التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية أمّاً تُدعى ميل من اكتشاف أن اثنين من أطفالها، كان أحدهما قد شُخِّص سابقاً باضطراب طيف التوحد وعسر الأداء الحركي، يعانيان في الواقع من حالة تنكسية عصبية نادرة للغاية ناجمة عن طفرة في جين DHDDS
. ورغم محدودية الحالات المسجلة عالمياً، والتي لا تتجاوز 59 حالة، مكّن هذا التشخيص ميل من الوصول إلى خبراء متخصصين والحصول على مقترحات علاجية داعمة، من بينها استخدام فيتامينات معينة للتخفيف من أعراض الرعاش.
وفي مقال نُشر على موقع جينوميكس إنجلاند
أشارت ميل إلى أن "نسبة الرعاش تراجعت بنحو 20
30
% منذ أن بدأ المرضى استخدام العلاج"، مؤكدة في الوقت ذاته أن الاكتفاء بالتحكم في الأعراض لا يعدو كونه خطوة أولى في مسار طويل. وبصفتها المؤسِّسة للمنظمة الخيرية CURE DHDDS
تركّز جهودها على حشد التمويل للأبحاث العلمية، وتنظيم المؤتمرات المتخصصة، وإنشاء سجل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة مكة
