إننا في «الائتلاف المدني من أجل الجبل» نؤمن أن نضج التجربة الديمقراطية المغربية يسمح لنا اليوم بالانتقال من التدبير القطاعي المتشتت للتنمية المجالية سواء في الجبال أو الوحات أو المناطق الحدودية، إلى التدبير الاستراتيجي المهيكل الذي يضمن كرامة المواطن واستقرار الوطن .
المحور 1 : الجبل في صلب العدالة المجالية
إننا حين نتحدث عن الجبل، فنحن نتحدث عن أزيد من 20 % من مساحة المغرب، وعن ثلث سكانه . الجبل ليس مجرد تضاريس وعرة، بل هو «خزان الثروات» الذي يضمن الأمن الغذائي والمائي للمدن والسهول . موطن التنوع البيولوجي وذاكرة الهوية المغربية وقيمها الأصيلة، ومع ذلك، لا يزال الجبل يعيش مفارقة صارخة: غنى فاحش في الموارد، وعجز مزمن في التنمية .
العدالة المجالية التي ينادي بها جلالة الملك، والنموذج التنموي الجديد، تقتضي منا تفكيك هذه المفارقة .
إن المقاربات القطاعية التي اعتمدت لسنوات، رغم حسن نواياها، ظلت تدخلات «مجزأة» ومعزولة عن بعضها وفي غالب الأحيان تكون «إسعافية» تتدخل بعد وقوع كوارث أو أزمات .
إن العدالة المجالية تعني باختصار أن «الجغرافيا لا ينبغي أن تكون عائقاً أمام المواطنة الكاملة» .
تتلخص مبادئ العدالة المجالية، في أربع ركائز أساسية:
* الاعتراف بالخصوصية التمييز القانوني : الإقرار بأن السياسات العمومية العادية لا تكفي للجبال، مما يستوجب صياغة قوانين خاصة تراعي إكراهات الارتفاع، والمنحدرات، والعزلة .
* الإنصاف بدل المساواة الصورية : الانتقال من توزيع الموارد بالتساوي إلى توزيعها بناءً على «الحاجة والكلفة»؛ فالعدالة الحقيقية تتطلب قواعد تمويلية واستثمارات استثنائية لتعويض التحدي الطبيعي ومعالجة العجز التنموي .
* اللامركزية والحكامة التشاركية : ضمان مشاركة السكان في صنع القرار عبر مؤسسات متخصصة «مثل مجالس الكتل الجبلية» تضمن «الالتقائية» بين مختلف القطاعات الحكومية والجهات .
* الاستدامة والتعويض : حماية الموارد الاستراتيجية «الماء والغابات التنوع، التراث» مع إقرار نظام لتعويض السكان عن «الخدمات البيئية» التي يقدمونها، وضمان حمايتهم من آثار التغيرات المناخية .
إن غياب إطار تشريعي خاص بالجبل هو الذي يجعل السياسات العمومية التي «تغترب» بمجرد من أروقة القرار المركزي لأنها نقيس احتياجات المواطن بنفس المعايير، وهذا «حيف تشريعي» جئنا اليوم لنتداول في سبل تصحيحه .
المحور 2 : قانون الجبل " ومبررات الوجود :
مقترحنا، يستند إلى ثلاث دعامات صلبة:
الدعامة الدستورية : الفصل 142 من دستور المملكة يتحدث عن «التضامن الترابي» . إن قانون الجبل هو المترجم الحقيقي لهذا الفصل، حيث يضمن «التمييز الإيجابي» للمناطق ذات التضاريس الصعبة .
الدعامة السيادية : في ظل أزمة الجفاف، الجبل هو صمام أمان «السيادة المائية» . قانون الجبل يحمي المنابع ويضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة .
الدعامة الدولية : بصفتي عضوا في اللجنة التوجيهية لـ «شراكة الجبال» الدولية، أؤكد لكم أن العالم يتجه نحو مأسسة حقوق الجبال . دول جارة كـ إسبانيا جعلت من «التضامن المجالي» واجبا دستوريا وقانونيا . «المادة 138 من دستورها»، وفرنسا اعتمدت «قانون الجبل» منذ 1985 لتنظيم علاقة السهل بالعالية . والمغرب، بريادته الإقليمية، لا يجب أن يظل استثناء .
المحور 3 : الجبل والجهوية المتقدمة
إن المطلب الثاني في مقترحنا هي مأسسة الجبل داخل المنظومة الجهوية . لا يمكن للجهوية المتقدمة أن تحقق أهدافها إذا ظل الجبل «ثقباً أسود» في خرائط التنمية الجهوية . ومن هنا نقترح ثلاث آليات إجرائية:
1 . عقود البرنامج " دولة - جهة - جبل ": نريد الانتقال من «الإعانات» إلى «التعاقد» . تبرم الدولة عقوداً مع الجهات الجبلية، تلتزم فيها الجهة بحماية الموارد الطبيعية مقابل «اعتمادات إضافية» تضمن التقائية السياسات .
2 . التمييز الإيجابي في برامج التنمية الجهوية ( PDR ): نطالب بمقتضى قانوني يُلزم الجهات بتخصيص «حصة جبلية» (Quota) في ميزانيات الاستثمار، لضمان عدم تمركز المشاريع في الأقطاب الحضرية على حساب القمم المنسية .
3 . مجالس الكتل الجبلية : الجبل لا يحترم الحدود الإدارية؛ لذا نقترح هيئات بين-جهوية (Inter-regional) تنسق المشاريع العابرة للحدود الترابية، لضمان أن التنمية تسير وفق «وحدات جغرافية» متكاملة .
المحور 4 : المرونة المناخية ومعالجة ثغرات التعويض
لا يمكن أن نتحدث عن عدالة مجالية بينما يظل الجبل مكشوفاً أمام التقلبات المناخية . لقد كشفت الفيضانات الأخيرة عن ثغرات مؤلمة في القانون 110.14 المتعلق بالتعويض عن الكوارث .
ومن هنا ضرورة إقرار «نظام التعويض المناخي المباشر للمناطق الجبلية» . يجب أن يكون «الضرر المحلي» في الجبل هو معيار التعويض، بعيداً عن تعقيدات المراسيم المركزية . نحن نطالب بتوسيع مفهوم التعويض ليشمل «سبل العيش» من محاصيل وماشية وسواقي، وليس فقط المباني . إن حماية الجبلي من ضياع مصدر رزقه بفعل المناخ هو جوهر الاستقرار الاجتماعي، وهو الدرع التكميلي الذي سيسد النواقص التي تركها التشريع الحالي .
المحور 5 : مقترحات للاستدامة المالية
لإنجاح هذا الورش، لابد من هندسة مالية ذكية تجيب على سؤال التمويل بجرأة:
1 . صندوق التضامن الجبلي : وهو آلية لإعادة توطين القيمة المضافة . نقترح تخصيص نسبة من عائدات استغلال المياه والمعادن والغابات الجبلية لتمويل هذا الصندوق . نحن لا نطلب ميزانيات ترهق الخزينة، بل نطلب «تدويراً للثروة» في مكان إنتاجها .
2 . التعويض عن الخدمات البيئية : الجبلي الذي يحمي منابع السدود يقدم خدمة سيادية للوطن . نقترح تحويل «الحماية» إلى «فرصة شغل» عبر عقود قانونية تشتري بموجبها الدولة خدمات بيئية من الساكنة، مما يحقق استقراراً اجتماعياً ويحد من النزوح القسري .
3 . مبدأ الترجيح الترابي « أو التمييز الإيجابي المجالي » كأداة قانونية وتدبيرية تهدف إلى تحقيق العدالة المجالية من خلال منح أولوية أو امتيازات استثنائية للمناطق التي تعاني من «إعاقات جغرافية» أو هشاشة سوسيو-اقتصادية هيكلية .
أخيرا، يتضمن مقترحنا اعتماد الهيئة الوطنية للجبال كـ «منصة للالتقائية» ومرصد لتقييم السياسات بناءً على المعطيات الدقيقة . وجود هذه الهيئة سيرفع من جودة الحصيلة الحكومية ..
ختاما، إن هذا القانون ليس ترفا تشريعيا، بل هو تعاقد وطني جديد . الجبل المغربي قدم الكثير للوطن تاريخيا، وحان الوقت ليرد له الوطن الجميل عبر إطار قانوني يحميه ويُثمن رصيده . ندعوكم لنكون معا الجيل الذي يضع الحجر الأساس لـ «مغرب الجبال الشامخة»، مغرب لا يترك خلفه أحدا مهما احتدت التضاريس وقست الجغرافيا .
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
