الدجل المقدس

في المجتمعات التي تضع العلم في مكانه الطبيعي، يُناقَشُ الطبيب، ويُنتقد الباحث، وتُختبر الأفكار بالأدلة والتجارب. أما في مجتمعات أخرى، فيكفي أن يظهر شخص أمام الكاميرا بنبرة واثقة، ويهاجم الطب الحديث والمؤامرة، حتى يتحول في نظر الآلاف إلى حكيم زمانه، بل إلى شخصية تكاد تكون مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. لقد أصبح الدجل في المجتمع المغربي، للأسف، أكثر من مجرد ظاهرة هامشية. أصبح ثقافة كاملة، وسوقاً ضخمة، وحالة نفسية جماعية تجد فيها الخرافة بيئة خصبة للنمو. والأسوأ من ذلك أن بعض الناس لم يعودوا يكتفون بتصديق الدجالين، بل صاروا يدافعون عنهم بشراسة تفوق دفاعهم عن العلماء الحقيقيين. يكفي اليوم أن يدعي شخص أن السرطان وهم، أو أن السكري مجرد كذبة صنعتها شركات الأدوية، أو أن الإنسان لا يحتاج إلى الدواء، بل إلى تنظيف السموم، حتى يجد آلاف المصفقين والمريدين. بعضهم يردد كلامه كما لو كان حقيقة علمية منزلة، رغم أنه لا يملك أدنى تكوين في البيولوجيا أو الطب أو البحث العلمي. المشكلة ليست فقط في الدجال نفسه؛ فالدجال موجود منذ آلاف السنين. المشكلة الحقيقية في المجتمع الذي يمنحه الشرعية، ويمنحه المنصات، ويمنحه المال، ثم يهاجم كل من يحاول فضح أكاذيبه. لقد أصبح بعض الناس يعتبرون أي نقد للدجل حرباً على الحقيقة، وأي دفاع عن الطب والعلم خضوعاً للوبيات.

إن الطب الحديث ليس مثالياً، والعلم ليس معصوماً، لكن الفرق بين العلم والدجل أن العلم يعترف بأخطائه ويصححها باستمرار، بينما الدجل لا يحتاج إلى دليل أصلاً. يكفيه الكلام الكبير، والقصص العاطفية، والشعارات الشعبوية من نوع هم يريدون إخفاء العلاج الحقيقي عنكم.

انتشار الدجل والخرافات في مجتمعنا هو نتاج التداخل المعقد بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، بل وحتى الدينية أحياناً. فحين يعاني جزء من المجتمع من الهشاشة الاقتصادية، وضعف الولوج إلى رعاية صحية جيدة، وارتفاع كلفة العلاج، يصبح الناس أكثر قابلية لتصديق أي شخص يعدهم بحلول رخيصة، طبيعية، وسحرية. الإنسان اليائس أو المرهق مادياً ونفسياً يكون أكثر استعداداً للتشبث بالأمل، حتى لو كان وهماً. ولهذا يزدهر الدجل غالباً في البيئات التي يسود فيها القلق والخوف وانعدام الأمان الاجتماعي.

أما على المستوى التعليمي، فالمشكلة أعمق بكثير من مجرد الأمية التقليدية. فقد نجد أشخاصاً يحملون شهادات عليا، لكنهم يفتقرون إلى التفكير النقدي والمنهج العلمي. كثير من أنظمتنا التعليمية ما تزال تعتمد على الحفظ والتلقين بدل تعليم كيفية تحليل المعلومات، وفهم الأدلة، والتمييز بين الرأي والحقيقة العلمية. وهكذا يصبح المجتمع فريسة سهلة لأي خطاب عاطفي أو تبسيطي، خصوصاً عندما يُقدَّم بثقة كبيرة ولغة شعبوية.

اجتماعياً أيضاً، تلعب الثقافة الشعبية دوراً مهماً في ترسيخ الإيمان بالخرافات. فهناك أفكار وموروثات تنتقل عبر الأجيال وتُعامل أحياناً كحقائق مطلقة لا يجوز التشكيك فيها. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ضاعفت المشكلة بشكل غير مسبوق، إذ أصبح أي شخص قادراً على نشر الأكاذيب الصحية أو نظريات المؤامرة أمام ملايين الناس دون أي رقابة علمية حقيقية. بل إن خوارزميات هذه المنصات تكافئ المحتوى الصادم والمثير، حتى لو كان زائفاً وخطيراً.

أما العامل الديني، فالمشكلة لا تكمن في الدين نفسه، بل في استغلال الدين لتبرير الخرافة ومنحها قداسة زائفة. بعض الدجالين يخلطون بين النصوص الدينية، والرقية، والطب، والأساطير الشعبية، فيصعب على الناس التفريق بين الإيمان الحقيقي والشعوذة المقنعة بلباس ديني. وحين يُقدَّم الدجال على أنه رجل صالح أو صاحب بركة، يصبح انتقاده عند البعض أشبه بالاعتداء على الدين نفسه، رغم أن الدين الحقيقي لا يمكن أن يكون عدواً للعقل أو للعلم أو للطب.

ويضاف إلى كل ذلك هوس جزء من المجتمع بالألقاب والمظاهر. ففي كثير من الأحيان، يكفي أن يضع شخص لقب دكتور أمام اسمه، أو أن يظهر بمعطف أبيض، أو أن يدّعي امتلاك شهادة أجنبية، حتى يصدقه الآلاف دون أن يسألوا عن تخصصه الحقيقي، أو كفاءته، أو صحة ما يقوله. والأسوأ أن بعض الناس لا يفرقون بين طبيب حقيقي يمارس وفق أسس علمية، وبين شخص يستغل اللقب أو الشهادة لإضفاء هالة من المصداقية على أفكار لا أساس لها علمياً. لقد أصبح اللقب عند البعض بديلاً عن الدليل، وأصبحت الثقة تُمنح للمظهر لا للمعرفة. وهكذا يتحول بعض الدكاترة أو منتحلي الصفات إلى أوثان فكرية صغيرة يُصفق لها الجمهور حتى وهي.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ ساعتين
منذ 20 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
جريدة أكادير24 منذ ساعتين
آش نيوز منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 19 ساعة
آش نيوز منذ 19 دقيقة
جريدة كفى منذ 15 ساعة
هسبريس منذ ساعتين
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 16 ساعة