يتم الاحتفال بالفرجات الأمازيغية بسوس في سياق طقوسي وأدائي واجتماعي وعاطفي، يحرص منظموه بكل مناطق سوس على جعله تجربة فنية جديدة تضفي أفقا أدائيا وجماليا على مفاهيم المكان والجسد والسلطة والمعرفة، وتنتقل بسهولة من “الأشياء اليدوية والبصرية إلى الأشياء اللفظية والمفاهيمية، ومن الخاص إلى العام ومن الواقعي إلى الافتراضي، ومن الحاضر إلى الماضي”، تتعزز هذه المفاهيم بالمشاركة المكثفة للمتلقي بتعدد مشاربه السياسية والاجتماعية وفئاته العمرية، وبالانخراط النوعي للجمعيات المهتمة وصناع المحتوى والمؤثرين بتثمين وتجويد وتمجيد وتسويق التراث الأمازيغي في شقيه المادي واللامادي. وسأتناول فيما يلي أطوار انتقال فرجة كرنفال بيلماون من طقس اجتماعي تقليدي إلى فرجة رقمية، ومن مستوى تذوق الأثر الفني إلى مستوى استهلاك الإنتاج الثقافي، ومن مرحلة النوع الثقافي إلى مرحلة الكم الثقافي ومن الثقافة المعرفية (العالمة) إلى الثقافة الشعبية التي تستهدف أكثر ما يمكن من المستهلكين، ومن المعنى الثقافي إلى القيمة المادية لتكتسب بذلك طابعها الأدائي والاحتفالي والكرنفالي في ضيافة الوسائط الرقمية.
وقد يفضي بنا هذا التقديم إلى طرح جملة من الأسئلة قد تسعفنا في ثقفي أثر كرنفال بيلماون ضمن خريطة الجماليات الرقمية ومقاربة وسائل التفاعل معه أو قراءته على شاشة الحاسوب أو الوسائط الرقمية؟
ما الذي قدمته الوسائط الرقمية للفرجات الأمازيغية وما الذي فقدته من خلال هذا السفر الافتراضي؟
ما هي خصائص الوضعية الاعتبارية الجديدة للفرجات الرقمية؟
كيف يمكن بناء جماليات رقمية للفرجات الأمازيغية بسوس؟
كيف يمكن أن تتحول الفرجات بوصفها جنسًا أدائيا وخطابيا وتداوليا إلى واقع رقمي لا مكان له على الورق ولا يمكن التفاعل معه أو قراءته إلا على واجهة الحاسوب والهاتف أو الوسائط الرقمية؟
ما هي العلاقة بين صانع المحتوى أو مستخدم المنصات الرقمية والمتلقي إذا كان الوسيط هو الفضاء الافتراضي؟
وفي هذا السياق الرقمي سنعمل على دراسة الفرجات الأمازيغية بسوس باعتبارها وسيطا رقميا وأدائيا، “ويمكننا تعريف الأداء على أنه أي حدث يجد فيه جميع المشاركين أنفسهم في نفس المكان وفي نفس التوقيت، ويشاركون في مجموعة محددة من الأنشطة. يمكن أن يكون المشاركون ممثلين أو متفرجين، وقد تتبدل أدوار هؤلاء الممثلين والمتفرجين، بحيث يمكن للشخص نفسه أن يؤدي دور الممثل لفترة زمنية معينة، ثم يتحول إلى مراقب، ينشأ الأداء من تفاعلات المشاركين. وفقًا لهذا التعريف، يمكن لمصطلح الأداء أن يشير إلى مجموعة واسعة من الأحداث: عرض مسرحي تقليدي في مسرح بروسكنيوم حيث يتم الفصل بشكل صارم بين الممثلين والجمهور، حدث لا يتم فيه تحديد هذه الأدوار بوضوح، مباراة كرة قدم مع متفرجين وكذلك قداس كنسي، حفل زفاف، مؤتمر سياسي؛ موكب جنائزي، معرض عالمي، ويتسم الأداء بأربع خصائص مركزية وسطيته، وماديته، وسيميائيته، وجماليته”، وأن أية دراسة للظاهرة الافتراضية من وجهة نظر جمالية ينبغي أن تبقي على طابعها الوسيط. لذلك من المهم أن نولي أهمية قصوى لدور الوسيلة نفسها، بما في ذلك الدور الذي تلعبه في التوسط بين المتلقي والفرجات الحية، وهذه العلاقة هي التي تحدد “الرسالة” أو محتوى العمل. يشير ماكلوهان “إلى أن الوسيلة الإعلامية الجديدة تبدأ عادةً باحتواء الوسائل الأقدم منها، وجعلها جزءًا من محتواها. ويفصح هذا الطرح عن أن التغيير الحقيقي لا يكمن في المحتوى بحد ذاته، بل في الوسيلة، وهو ما يلخصه ماكلوهان في عبارته الشهيرة: «الوسيلة هي الرسالة»، إذ تؤثر الوسيلة في طريقة تفكير الإنسان وتنظيم المجتمع أكثر مما يفعل المحتوى الذي تنقله.”
الفرجات الأمازيغية تعمل على إدراج المشاهد في العمل الفني، بل أيضاً على توزيع وجوده في كل من العالم الحقيقي وعالم المعلومات المحاكي أو كما تشير إلى ذلك الباحثة الألمانية إريكا فيشر ليشته “بأن الفرجة يساهم في صناعتها المؤدي والمتفرج” في المجالين العمومي والافتراضي، وتعد شخصيات الكرنفال الرقمي شخصيات أساسية تسجل حضورها باستمرار في فضاء العرض.
وضمن هذا السياق تحتل الفرجات الأمازيغية بسوس حيزا مهما من تشكلات الأداء الاجتماعي والثقافي والتداولي والخطابي حيث يساهم صانع الفرجة والمتلقي في تأسيس الهوية الثقافية للجماعة التي تتجلى بعض معالمها في استحضار الممارسات الثقافية المشتركة والقيم والاستعارات واستعمال الروايات لتوثيق الحاضر وتثمينه وكذا توظيف الماضي في صناعة الهوية السردية الأمازيغية والحفاظ على تسلسلها الزمني في ترميزها لعوالم الممثلين والمشاهدين، وبالتالي فهي موارد تفاعلية مهمة يمكن استخدامها لتسليط الضوء على إنجازات الجماعة، وخلق أدوار اجتماعية جديدة، وتغيير السبل التي يتم من خلالها الاعتراف بأنواع معينة من المعرفة والخبرة وتقديرها.
وجدير بالإشارة أن كرنفال بيلماون أضحى يشغل حيزا مهما من النقاش في المجالين العمومي والافتراضي، حتى صار يتخذ أبعادا سياسية وثقافية وأخلاقية ودينية وجمالية، تعكس طبيعة الحساسيات الاجتماعية والثقافية التي تحتدم داخل المجال الثقافي العام. ومن شأن هذه التفاعلات التي يفجرها المجال الافتراضي توطيد العلاقة الحية والمباشرة مع فرجة بيلماون، وتأسيس علاقات جديدة على مستوى الإنتاج والتلقي. ولا أدل على ذلك من توافد المتفرجين بكثافة للمشاركة في تأثيث هذا الحدث الفرجوي البارز.
ويحرص منظمو كرنفال بيلماون على توظيف الفضاء الافتراضي في تمثيل الواقع ومحاكاته، وفي خلق آفاق حافزة للتفاعل والتواصل، وفي رصد مسار الخطاب العام بشأن هذه الفرجة وتوجيه النقاشات الدائرة حولها بمختلف اتجاهاتها. كما تنبهوا إلى أهمية هذا الفضاء باعتباره فضاء بديلا قادرا على التأثير الواسع على الفضاء العام الواقعي.
وبهذا فالكرنفال الرقمي يمنح إمكانات جمة للشعور بالحرية والتحرر من كل هيمنة، حيث يؤكد مجموع العناصر المسرحية المتوفرة في كرنفال بيلماون على أنه حدث فرجوي يتميز بالخصائص.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
