قبل أكثر من أربع سنوات لم يكن الغرب يتحرك في أوكرانيا دفاعاً عن الديمقراطية كما حاولت آلته الإعلامية إقناع العالم، بل كان يخوض مواجهة هدفها إخضاع روسيا وإعادتها إلى موقع الدولة المنهكة التي خرجت من انهيار الاتحاد السوفياتي فاقدةً الثقة والهيبة والقرار.
ولهذا لم تكن الحرب عسكرية فقط، بل عملية حصار شاملة استُخدمت فيها العقوبات والطاقة والإعلام والأسواق المالية والثقافة وحتى الرياضة، وكأن المطلوب لم يكن هزيمة موسكو على الجبهة الأوكرانية فقط، بل كسر صورتها التاريخية كقوة ترفض الخضوع.
غير أن السنوات الأربع الماضية انتهت إلى مشهد مختلف تماماً.
الغرب الذي دخل الحرب بثقة المنتصر خرج منها مثقلاً بالارتباك والانقسام والإنهاك، أما روسيا التي توقعوا انهيارها خلال أشهر، فقد تحولت إلى مركز ثقل دولي يفرض إيقاعه بالقوة والصبر وطول النفس، حتى بدا أن بوتين لا يخوض حرباً على حدود أوكرانيا فقط، بل يخوض حرباً على شكل القرن المقبل كله.
والمذهل في التجربة الروسية أن موسكو لم تنتصر لأنها الأقوى اقتصادياً، فالاقتصاد الغربي أضخم بكثير، ولم تنتصر لأنها الأكثر تفوقاً تكنولوجياً، فالولايات المتحدة ما زالت تتربع على قمة القوة العسكرية العالمية، لكن روسيا امتلكت شيئاً افتقده الغرب تدريجياً وهو الإرادة التاريخية، حيث لم تُقرأ الحرب في موسكو بوصفها نزاعاً حدودياً، بل باعتبارها مواجهة وجودية تتعلق بصورة روسيا كقوة كبرى، وبمنع تحويلها إلى دولة محاصرة داخل الطوق الأطلسي.
غير أن ما يمنح هذه الحرب عمقها الحقيقي ليس السلاح فقط، بل الذاكرة أيضاً.
فالخطاب الروسي الحالي لا يتحرك داخل فراغ سياسي، بل يستند إلى سردية تاريخية وثقافية طويلة ترى أن روسيا تتجاوز الدولة القومية العادية، إلى قوة حضارية لها مجالها الخاص وحدودها النفسية والثقافية، ولهذا لم يكن غريباً أن يعود اسم ألكسندر بوشكين إلى الواجهة خلال الحرب، ليس كأعظم الشعراء فقط، بل كرمز لفكرة روسيا الإمبراطورية التي ترى في أوكرانيا جزءاً من فضائها التاريخي.
في الأدب الروسي الكلاسيكي لم تكن الإمبراطورية دائماً مشروعاً عسكرياً مباشراً، بل كانت أيضاً طريقة للنظر إلى الجغرافيا والشعوب المحيطة بروسيا، فبوشكين نفسه، في قصيدته الشهيرة عن أوكرانيا والقيصر بطرس الأكبر، قدّم الزعيم الأوكراني إيفان مازيبا بوصفه خائناً متمرداً على الدولة الروسية، وهي الفكرة نفسها التي لا يزال الخطاب القومي الروسي يكررها حتى اليوم عند الحديث عن أي نزعة أوكرانية للخروج من الفضاء الروسي.
الأمر ذاته يظهر عند ليرمنتوف وغوغول وغيرهما من رموز الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، حيث جرى تصوير القوقاز وأوكرانيا باعتبارهما فضاءين يحتاجان إلى “التمدين” الروسي، وكأن الأدب نفسه كان يشارك في ترسيخ صورة الإمبراطورية داخل الوعي الروسي.
ولهذا تبدو الحرب الحالية، بالنسبة إلى جزء واسع من الروس، امتداداً لسردية أقدم من بوتين نفسه، سردية ترى أن روسيا تخوض دائماً معركة دفاع عن ذاتها ضد الغرب، وأن التراجع أمام أوروبا أو الولايات المتحدة ليس مجرد خسارة سياسية، بل تهديد لصورة روسيا التاريخية.
الغرب أخطأ في فهم هذه النقطة.
أخطأ حين تعامل مع موسكو بوصفها دولة قابلة للتركيع بالعقوبات والضغط الإعلامي والعزلة السياسية، وأخطأ أكثر حين ظن أن الروس سيتخلون سريعاً عن دولتهم تحت ضغط التراجع الاقتصادي والخسائر العسكرية، لأن ما يربط الروس بدولتهم ليس مجرد عقد سياسي عابر بل شعور تاريخي طويل تشكل عبر الحروب والغزوات والانهيارات والنجاة المتكررة.
وكانت موسكو قد استعدت منذ سنوات طويلة لهذا النوع من المواجهات، فبنت احتياطاتها المالية، وعمّقت تحالفاتها مع الصين والهند وإيران، وطورت شبكات تجارة بديلة، وبدأت منذ وقت مبكر تفكيك اعتمادها على الغرب، وعندما انفجرت الحرب اكتشف الأوروبيون.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
