لم يكن يحتاج المشهد الثقافي والسياسي في عمالة إنزكان أيت ملول إلى كثير من الذكاء ليفضح عورته المنكشفة أصلاً. فقبل أن يجف عرق الوفد الرسمي الولائي وهو يطوي سجاد منصة الكرنفال الدولي التاسع لـ بوجلود بالدشيرة الجهادية.. وفي غمرة الانتشاء العابر بـ نجاح غامض هرول الجميع وعلى بعد ثلاثة كيلومترات فقط نحو أيت ملول لقص شريط نسخة أولى لكرنفال ولد مشوهاً ومستنسخاً بالتيمة نفسها.. والوجوه نفسها والجلود نفسها..
ولأن العبث لا يسير فرداً في هذه الرقعة الجغرافية فإن أكادير تستعد بعد أيام لرفع الستار عن أكبر كرنفال دولي للماركة ذاتها وكأننا أمام خط إنتاج معملي لا ينتهي.
وحتى لا يقع سوء فهم أو يظن ظانٌّ أننا نتحامل على الموروث الثقافي للمنطقة فقبل يومين فقط ترافعنا عبر مقال دافعنا فيه بجرأة نضالية عن ضرورة تثمين هذا التراث اللامادي وحمايته من التلف والنسيان.
لكن شتان بين التثمين والتمييع وبين صون الهوية وتسفيهها.
ولنا من الشجاعة الأدبية ما يجعلنا نعترف اليوم وبمرارة:
إن موقفنا الإيجابي السابق حول كرنفال الدشيرة الجهادية وثقتنا في إمكانية مأسسته واعتماد أسلوب احترافي في تدبيره تبين لنا اليوم أمام هذا الابتذال أننا كنا سذجاً إلى أبعد الحدود
بعدما تبيّن أننا لسنا أمام فعل ثقافي حقيقي بل أمام فراقشية الكرنفالات الذين يحولون التراث إلى تجارة كاسدة ومطية لخدمة أجندات انتخابوية بئيسة.
نحن لسنا أمام تلاقح ثقافي ولا أمام بعث لتراث هوياتي يحمل أبعاداً أنثروبولوجية تستحق الاحتفاء
نحن ببساطة أمام مشهد سريالي مقزز يختزل كيف تحولت السياسة التدبيرية في هذا الإقليم إلى مجرد بهرجة مجانية وكيف يُميّع الإرث الثقافي حد الابتذال والتسفيه والتسطيح ليصبح السؤال الحارق والوحيد الذي يطرحه أي عاقل:
ما الفرق بين الكرنفال (أ) في الدشيرة والكرنفال (ب) في أيت ملول؟
لا شيء.. باستثناء أرقام الميزانيات التي تُهدر من جيوب دافعي الضرائب وصور البروتوكول التي تلتقط للمسؤولين لإثبات حضور وهمي في تنمية وهمية في هوامش مدن تئن تحت وطأة هشاشة البنية التحتية وضعف الخدمات وغياب فضاءات حقيقية تصنع الإنسان بدل أن تصنع له
الفرجة الفلكلورية المغشوشة.
ولم يتوقف هذا التمييع عند حدود اجترار الفكرة وتكرارها بل امتد ليمس أقدس ما في المجتمع:
براءة الطفولة في مشهد يندى له الجبين، شهدت هذه الكرنفالات استغلالاً بشعاً للقاصرين والأطفال الذين جرى تحويلهم إلى مجرد مادة للاستعراض المجاني و الفرجة الرخيصة لتأثيث البهرجة.
لقد حُشر هؤلاء الأطفال في مساحات الصخب وأُلبسوا أزياءً وأقنعة مسخ لا صلة لها بالذوق العام ولا بالقيم الجمالية والتربوية التي ينبغي أن ينشأوا عليها في انتهاك صارخ كرامتهم وفقط من أجل دغدغة عواطف الجماهير ومراكمة صور النجاح الوهمي لمهندسي هذه المهازل
عبر التقاط صور ال سيلڨي مع طفلة كرنفال ايت ملول
والأشد إيلاماً هو هذا الانفصام الذي تبديه المجالس الجماعية المعنية ومعها السلطات الإقليمية وفي هذا الوقت الذي كان فيه آلاف التلاميذ يخوضون غمار امتحانات إشهادية مصيرية تحدد مستقبلهم كانت قعقعة الطبول وأهازيج بيلماون تخترق جدران بيوتهم وتصادر حقهم في السكينة والتركيز
ولعل جدران ثانوية البقالي بايت ملول شاهدة على ذلك
إن قراءة هذه اللحظة بخلفيتها السياسية تكشف المستور دون مساحيق.. فلسنا مغفلين لنصدق أن هذا التناسل الفطري للكرنفالات والمهرجانات المستنسخة هو غيرة على التراث بل نحن في سنة انتخابية ومراكز القرار التشريعي والتنفيذي يعاد ترتيبها والنخب الحزبية المحلية التي أفلست في تقديم برامج تنموية حقيقية تقنع المواطن وجدت في بوجلود وسيطاً انتخابياً مجانياً وعملية استقطاب فجة لكتل ناخبة متعطشة للفرجة باستغلال مكشوف لحاجة الناس إلى الفرح والترويج
متسائلين عن هذا الغياب للسلطات الولائية وعامل الإقليم من ضبط هذا الانفلات وقراءة الأبعاد الخطيرة لهذا تسونامي من الكرنفالات المتنقلة التي لا تسمن ولا تغني من جوع
وإلى أن يدرك القائمون على الشأن العام في هذا الإقليم والجهة أن الأوطان لا تُبنى بالطبول والجلود المستنسخة سيظل المواطن يتحسّر على ماله يسرف وعلى أبنائه يُشوش عليهم زمن الإمتحانات
في انتظار كرنفال رابع قد ينطلق غداً من كراج البلدية!
يوسف غريب كاتب صحفي
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
