ملف الأسبوع | الانتخابات التشريعية.. من حسابات الاستعمار إلى صراع حسابات الدولة والأحزاب والمواطن

إن معادلة من يريد من، نشأت بين ثلاثي الدولة والأحزاب والمواطن منذ أن عرف المغرب طريقة التسيير الحديثة القائمة على تنظيم انتخابات تشريعية يتم من خلالها انتخاب الحزب الذي سيقود الحكومة، منذ الاستقلال، وكعادته، يشكل المغرب الاستثناء دائما؛ فعبر تاريخ البلاد، هناك دائما قصص وحكايات حول وجود كواليس في الانتخابات تتدخل الدولة من خلالها من أجل عرقلة الحزب الذي كان يبدو صاحب الشعبية الأكبر قصد منعه من الفوز في الاستحقاقات الانتخابية، والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخنا.. سنورد بعضها في هذا الملف.

أعد الملف: سعد الحمري

قصة بداية الظاهرة الحزبية.. كيف حاولت سلطات الحماية عرقلتها

ظهرت الأحزاب السياسية في السياق المغربي خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي، من أجل بلورة مطالب الشعب وتقديمها للمستعمر، وكانت في البداية عبارة عن مطالب إصلاحية ثم تحولت بعد نهاية الحرب العالمية إلى مطلب بالاستقلال؛ فقد نشأت في منطقة الحماية الفرنسية ثلاثة أحزاب رئيسية وهي حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال ثم الحزب الشيوعي المغربي، وسميت بالأحزاب الوطنية نظرا لأن مطالبها كانت تعبر عن الشعب المغربي، ثم سرعان ما تبنت الملكية هذه المطالب لتدخل في تحالف مع هذه الأحزاب، خصوصا حزبي الاستقلال والشورى والاستقلال، ثم ظلت الملكية في تحالف مع حزب الاستقلال لأنه كان يمثل مطالبها ومطالب الشعب، حتى دخل الملك محمد الخامس في صراع مع سلطات الاستعمار لأنهم أصبحوا ينعتونه بأنه سلطان حزب الاستقلال وليس سلطان باقي الشعب المغربي، لأنه كان يتبنى مطالبهم.

كان هذا الأمر مبعث قلق لسلطات الاستعمار، حيث وجدت نفسها أمام أول تحدي؛ فقد أصبح تنظيم الشباب المغربي سياسيا في أحزاب، وأصبحت مطالبه تبلورها الأحزاب الوطنية، وخصوصا حزب الاستقلال، الذي دخل في تحالف عميق مع الملكية، ولمواجهة هذا التحدي، عمدت سلطات الحماية إلى عرقلة هذا المشروع الذي كان في مهده، من خلال العمل على خلق أحزاب جديدة قادرة على ترتيب المشهد السياسي المغربي حسب رغبة ورؤية سلطات الحماية، إلا أن هذه التجربة باءت بالفشل، فرغم شروع سلطات الاستعمار عمليا في تشجيع تفريخ عدة أحزاب خلال مرحلة الأربعينيات وبداية الخمسينيات، إلا أنها لم تنجح في مسعاها أبدا، حيث انمحت تلك الأحزاب من الوجود في تلك الفترة، بعد فشلها، وذلك لأنها لم تتمكن من استقطاب الشباب المغربي أو إقناعه بمشاريعها السياسية والاقتصادية، ويعود السبب في ذلك، إلى أن الشعب كان ينظر إليها كأداة بيد المستعمر.

الأحزاب والملكية والمواطن.. من التحالف إلى الصراع في بداية الاستقلال

وبعد فشل سلطات الاستعمار.. بقي حل واحد، هو القضاء على حزب الاستقلال، عن طريق نفي واعتقال كل زعمائه، وبعد ذلك نفي الملك محمد الخامس إلى مدغشقر، ومن تم بداية تجربة جديدة.. إلا أنه عوض بداية تجربة سياسية جديدة، عجلت محاولة التغيير تلك بنهاية الحماية وعودة محمد الخامس إلى العرش، ثم أصبح حزب الاستقلال القوة السياسية الأولى في البلاد، لأن عودة الملكية وعودة حزب الاستقلال كانا مطلبين للشعب المغربي.

حصل المغرب على الاستقلال، ونجحت الملكية وحزب الاستقلال في تحقيق مسعاهما، وهو استقلال البلاد، ثم ماذا حصل؟ لم تكن النهاية السعيدة بداية انطلاقة البلاد نحو التقدم والبناء والتشييد، بل طرح إشكال حول من سيقود البلاد، الملكية، أم حزب الاستقلال؟ ومن هنا بدأ أول صراع، حيث طالب حزب الاستقلال بأن تمنح له الصلاحية كاملة والوزارات كاملة من أجل بداية مشروع تسيير شؤون البلاد، في حين رأت الملكية في ذلك تهديدا حقيقيا لها ولإمكانية استمرارها، ومن هذا المنطلق، كان على الملكية أن تلتجئ إلى طريقة يمكن من خلالها كبح جماح حزب الاستقلال، وهي طريقة اعتمدتها سلطات الاستعمار الفرنسي من قبل، غير أنها فشلت، ويتعلق الأمر بتشجيع خلق أحزاب سياسية جديدة، من أجل استقطاب أطياف أخرى من الشعب المغربي.

والملاحظ، أن الملكية التجأت إلى حل كانت قد تبنته قبلها سلطات الحماية، وفشلت، ومع ذلك، فكرت الملكية في العودة إليه، ويمكن القول أن رهان الملكية على هذا الحل تم بناؤه على عدة حسابات جديدة، لعل أبرزها أن فئة كبيرة من الشعب المغربي بدأت تتذمر من مرحلة الاستقلال، كما انطلقت دعاية تحميل حزب الاستقلال المسؤولية في كل المشاكل التي بدأت البلاد تتخبط فيها، إضافة إلى أن الحزب كان يحتقر بعض فئات الشعب المغربي، وكان رهان الملكية ناجحا، حيث كانت النتيجة تأسيس حزب الحركة الشعبية، ممثل فئة من الشعب، ثم بعده تأسس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي قاد الحكومة برئاسة عبد الله إبراهيم.

فهل كان تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية يدخل ضمن خطة تشجيع الملكية لتأسيس أحزاب سياسية جديدة من أجل خلق توازن داخل الحياة السياسية المغربية؟ هناك بعض الباحثين في التاريخ يرون أن الملكية شجعت على ذلك، لكن هذا الحزب خلق مشكلا للملكية، حيث تحول من حزب يقود الحكومة إلى أقوى حزب معارض.

وبعد إقرار أول دستور للبلاد على عهد الملك الحسن الثاني، الذي نص على اعتماد صناديق الاقتراع من أجل التعبير عن رغبة الشعب، ظهر تحدي جديد أمام الملكية؛ فقد كانت في الساحة السياسية أحزاب من شأنها أن تشكل خطرا عليه في حال حققت المرتبة الأولى في الانتخابات، ومعنى ذلك قيادة الحكومة وتشكيل الأغلبية في البرلمان، ويتعلق الأمر بحزبي الاتحاد الاشتراكي والاستقلال.

وقد حققت الأحزاب نتائج طيبة في الانتخابات التشريعية الأولى في تاريخ المغرب، رغم ما قيل عن شبهات تزوير من أجل دعم بعض المرشحين، وكذا رغبة الملكية في تشكيل خريطة في البرلمان تلائم توجهاتها، وهو دعم الأعيان القرويين، وهو ما جعل ريمي لوفو، الباحث في العلوم السياسية والذي كان إطارا مطلعا في وزارة الداخلية المغربية، يؤلف كتابا سماه الفلاح المغربي المدافع عن العرش ؛ فانطلاقا من عنوان المؤلف يتضح أن الملكية عملت على دعم النخب القروية مقابل وقوفها في وجه النخب الحضرية، لأنها ترى أن النخب القروية المتهمة بالتعاون مع المستعمر سابقا، لا يمكن أن تشكل خطرا عليها، مقابل النخب الحضرية التي كانت تطالب بإصلاحات تحد من سلطات الملكية.

هنا يمكن الحديث عن حسابات الشعب، الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع، فنجد أنه ذهب في نهاية المطاف إلى التوجه الذي وضعته الدولة، وهو التصويت على الأحزاب التي دعمتها الدولة في الخفاء. إذن، كانت الدولة تتحكم في حسابات الشعب، ولم تنته مرحلة الستينيات دون تدخل قوي من الدولة في الحياة البرلمانية؛ فرغم حصول حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي على مقاعد برلمانية مهمة في انتخابات 1963، إلا أن الدولة التجأت إلى خطة تقضي بجمع الأحزاب الإدارية في تكتل واحد من أجل تشكيل الأغلبية البرلمانية، عندما تم تشكيل جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية.

محطة 1977.. إبداع الدولة في التدخل في الانتخابات

دخلت الدولة بعد ذلك في حالة الاستثناء، ودخلت معها الأحزاب السياسية في حالة جمود لمدة عقد كامل، وفي سنة 1977، قررت الدولة بعث الحياة السياسية من جديد وتنظيم انتخابات من أجل تشكيل الحكومة وإعادة الحياة للبرلمان من جديد، لكن كانت هناك حسابات للدولة وحسابات للأحزاب، حيث لم تكن الدولة راغبة في أن تتولى القيادة الأحزاب المحسوبة على المعارضة، كما كانت الأحزاب المحسوبة عليها في حالة ضعف كبير، وهنا التجأت الدولة إلى حل يتجسد في دعم المرشحين الأحرار، الذين لا ينتمون إلى أي حزب سياسي، حيث حصل المترشحون اللامنتمون في الانتخابات التشريعية ليوم 3 يونيو 1977 على 141 مقعدا من أصل 246 مقعدا في البرلمان بموجب دستور 1972، وبذلك ترأس أحمد عصمان المستقل، حكومة أكتوبر 1978، ثم عمل مباشرة على تأسيس حزب التجمع الوطني للأحرار، وجمع البرلمانيين المستقلين في حزب واحد، وقد أسس حزبه تحت مقولة المغرب الجديد ، الذي يعبر حسب عصمان عن المسيرة الخضراء رمز توحيد التراب المغربي ، وهي تجربة أعطت للدولة هامشا للمناورة أمام أحزاب المعارضة.

انتخابات 1997.. عندما احترمت الدولة رغبة المواطن ولعبت في الكواليس

نحط الرحال أمام تجربة جديدة وهي انتخابات 1997، التي اعتبرت مفصلية في تاريخ المغرب، لأن الكل كانت له رغبة حقيقية في دخول عهد الديمقراطية، وهي أول مرة كانت فيها الانتخابات نزيهة، حيث فاز فيها الحزب الذي كان مطلبا للشعب، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وصار عبد الرحمان اليوسفي وزيرا أول (رئيس الحكومة حاليا). يومها لم ترفع الدولة يدها وتترك الحكومة تعمل وفق برنامجها، حيث كان وزير الداخلية إدريس البصري في أوج قوته، وما زالت مذكرات الفاعلين تتحدث عن التدخلات التي كان يقوم بها من أجل عرقلة عمل الحكومة.

ثم جاءت مرحلة انتخابات 2002، التي كانت محطة جديدة لم تتدخل الدولة فيها في الانتخابات التشريعية، التي أدت إلى فوز جديد لحزب الاتحاد الاشتراكي في الانتخابات التشريعية، وهنا وقفت الدولة من جديد في وجه مطالب الشعب وحسابات الأحزاب، عندما منحت قيادة الحكومة لحزب الاستقلال بدعوى التناوب الديمقراطي.

ما بعد دستور 2011.. رهانات جديدة ودور دائم للدولة

في سنة 2010، حصلت عدة تحولات دولية أهمها ما يعرف بالربيع العربي.. وقتها دخل المغرب في مجموعة من التحديات، أهمها صعود المد الإسلامي، حيث كان أبرز حزب سياسي هو حزب العدالة والتنمية، الذي كان يقود المعارضة بقوة ورسخ نفسه كبديل في الساحة السياسية، ثم جاءت انتخابات 2012 واحترمت الدولة رغبة الشعب، حيث صعد الحزب لأول مرة لرئاسة الحكومة، حكومة دستور 2011.. فهل كان أداء الحزب جيدا في ولايته الأولى ؟ وقد تركت للشعب حرية التعبير خلال انتخابات 2017، وفاز حزب العدالة والتنمية مجددا في الانتخابات التشريعية من جديد، مما أهله لرئاسة الحكومة مجددا، لكن الدولة تدخلت بطريقتها، حيث وضعت عراقيل أمام عبد الإله بن كيران من أجل تشكيل الحكومة، ليتم اختيار الرجل الثاني في الحزب ليكون رئيسا للحكومة، ومن تم بدأت شعبية الحزب في التراجع نظرا لاختفاء زعيمه.

وبعد ذلك بدأ الحديث عن بديل لحزب العدالة والتنمية، كما بدأ الحديث بقوة عن البدائل السياسية، إذ كان الوضع غامضا خلال مرحلة الإعداد لاستحقاقات 2021، رغم بروز ثلاثة أحزاب في الواجهة السياسية، يتعلق الأمر بالاستقلال، الأحرار، والأصالة والمعاصرة، ورغم أن حزب الأحرار لم يكن مرشحا بقوة للحصول على المرتبة الأولى، نظرا لاحتلاله مراتب متأخرة في استحقاقات 2012 و2017، إلا أنه تمكن من الحصول على المركز الأول، ولم يشكل ذلك مفاجأة إطلاقا، بل كانت المفاجأة في التشكيلة الحكومية، حيث تم تشكيلها من الأحزاب المحتلة للمراكز الثلاثة الأولى، في حين تركت المعارضة ضعيفة.

استحقاقات 2026.. غموض غير عادي

ومنذ ذلك التاريخ، وعلى مدار خمس سنوات كاملة، لم تفرز الساحة السياسية أي بديل سياسي قوي قادر على طرح نفسه كبديل حقيقي.. فأين تتجه الساحة السياسية في استحقاقات 2026 ؟

يبدو المشهد غامضا جدا، حيث لا نرى أي حزب، لا من المعارضة ولا من الأغلبية الحكومية، يشكل مطلبا شعبيا حقيقيا؛ فقد ظهرت مؤخرا عدة مؤشرات تدل على أن هناك شيئا ما يطبخ في الأفق، منها إعلان الدولة توفير الدعم للشباب الذي يرغب في الترشح لاستحقاقات 2026 كأحرار، ما يطرح سيناريو إمكانية أن تشكل ظاهرة البرلمانيين اللامنتمين عنصرا جديدا داخل البرلمان، كما بدأ الحديث مؤخرا عن إمكانية ترشيح فوزي لقجع لترأس الحكومة، وهذا أمر مناف لدستور 2011، لأن هذا الأخير ينص على أن الحزب الفائز في الانتخابات هو من يقود الحكومة، ولحد الساعة لم يعلن لقجع عن انتمائه لأي حزب سياسي، في حين يظهر أن هناك فتورا حقيقيا وسط الشعب من الانتخابات والأحزاب.. فهل تفرز انتخابات 2026 شكلا جديدا في الحكم ؟


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 45 دقيقة
منذ 10 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
هسبريس منذ 22 ساعة
أشطاري 24 منذ 9 ساعات
صحيفة الأسبوع الصحفي منذ 9 ساعات
جريدة كفى منذ 11 ساعة
هسبريس منذ 17 ساعة
بلادنا 24 منذ ساعتين
هسبريس منذ 5 ساعات