صادقت الحكومة في المجلس الحكومي المنعقد بتاريخ 4 يونيو 2026، على مشروع المرسوم رقم 2.25.561 بتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.90.554 المتعلق بالمؤسسات الجامعية والأحياء الجامعية، وجاء في مذكرته التقديمية أنه مشروع يأتي لمواصلة تنزيل التوجهات الاستراتيجية الرامية إلى تطوير منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وتعزيز ملاءمة الخريطة الجامعية الوطنية مع التحولات الديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية التي تعرفها مختلف جهات المملكة، وكذا مع الحاجيات المتزايدة المرتبطة بتنويع العرض التكويني وتحسين جودته وتقريب الخدمات الجامعية من الطلبة، كما أنه يهدف إلى إعادة هيكلة وتقسيم عدد من المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح، قصد تحسين شروط التأطير البيداغوجي والإداري، وتعزيز التخصص الأكاديمي، والرفع من نجاعة التأطير والتكوين والبحث العلمي.
إن عبارة المغرب الصاعد ليست مجرد شعار، بل هي تجسيد لإرادة سياسية وديناميكية تنموية ملموسة، وطموح جماعي بقيادة الملك محمد السادس يتجاوز حدود الإمكانيات الراهنة؛ فـ المغرب الصاعد هو ذلك البلد الذي يعيد هيكلة جامعته ليكون منارة للكفاءات التي تقود مشاريع التنمية الشاملة، ويستلهم العبر من تجارب الدول الرائدة، لكنه يصممها بلمسة مغربية تراعي خصوصياته وانفتاحه الإفريقي وإشعاعه الدولي، ينتقد إصلاحاته بنفسه بموضوعية، فيدرك أن إعادة هيكلة الإدارات وحدها لا تصنع المعجزات، فيجعل من الإصلاح الجامعي الجديد جسرا للربط بين المدرجات وسوق العمل.
فهذا المشروع يثير عددا من الملاحظات التي يمكن إجمالها في :
1) من حيث العرض الجامعي:
اكتفى المشروع بتقسيم ما تجمع من تخصصات مرتبطة ارتباطا وثيقا، ومتكاملة معرفيا وبيداغوجيا، حيث أن كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية تشمل تخصصات عابرة لهذه المسارات المعرفية، والتقسيم من شأنه أن يحدث شرخا كبيرا على مستوى المواد المشتركة بين هذه التخصصات، وبدل منطق التعاضد في الوسائل البشرية والمادية، سيحدث التقسيم بنيات على الورق دون أي أثر ملموس على الواقع، فعدد من الكليات التي تم تقسيمها من قبل، لم تستطع أن تتوفر على بنيات إدارية مستقلة بها وتعرف خصاصا كبيرا في الأطر البشرية: الإدارية والتقنية والتدريسية.
2) الرفع من التكاليف الإدارية (الكلفة المالية) دون ضمان تحسين الجودة:
تقسيم مؤسسة كبيرة إلى عدة مؤسسات أصغر، يعني حتما زيادة عدد الأطر الإدارية والقيادية (عمداء، نواب، رؤساء أقسام، موظفين إداريين جدد)، وهذا قد يستهلك موارد مالية كانت سترصد أصلا للتدريس أو البحث أو التجهيزات المخبرية، دون دليل مسبق على أن التقسيم الإداري يؤدي تلقائيا إلى رفع نجاعة التأطير البيداغوجي ، فالتجارب السابقة في بعض الجامعات المغربية، أظهرت أن إعادة الهيكلة أحيانا أدت إلى مضاعفة المكاتب الإدارية دون تحسن ملحوظ في المؤشرات الأكاديمية.
3) تجاهل الجانب الاجتماعي (الأحياء الجامعية):
النص يذكر المؤسسات الجامعية والأحياء الجامعية ، لكن التركيز الأساسي على الهيكلة الإدارية، فالانتقاد الجوهري هو أن مشكلة الأحياء الجامعية ليست إدارية بقدر ما هي أزمة طاقة استيعابية وجودة الخدمات (سكن صحي، تغذية، مواصلات )، وبالتالي، فإعادة تقسيم المؤسسات دون إصلاح جذري لتدبير الأحياء الجامعية (التي تعاني من الاكتظاظ والتهميش في العديد من المدن) يعني أن الطالب سيظل يعاني من نفس الصعوبات الاجتماعية رغم التغيير الإداري.
4) إهمال البحث العلمي والابتكار:
البلاغ يكرر عبارة الرفع من نجاعة البحث العلمي ، لكن التركيز انصرف فقط على التقسيم الإداري للمؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح وهو ما من شأنه أن يهمش الجانب البحثي، بالتالي، فهذه الهيكلة لا تقدم آليات جديدة لتمويل البحث، أو تحفيز النشر الدولي، أو خلق فرق بحث متعددة التخصصات، بل تبقى في إطار التقسيم الإداري التقليدي.
5) غياب الربط مع سوق العمل والمحيط الإفريقي والدولي والمشاريع الكبرى للدولة:
أغفل المشروع في شكله الظاهر الجانب المتعلق بتخصصات تواكب المشاريع الكبرى الجديدة، وأيضا العلاقة مع القارة الإفريقية، وقد ركز بشكل شبه كامل على البعد البنيوي والتنظيمي فقط، وعدم ربط الإصلاح بمشاريع الطاقة أو الماء أو السياحة أو الاقتصاد الإفريقي، حيث كان الهدف المعلن هو إعادة هيكلة وتقسيم عدد من المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح، قصد تحسين شروط التأطير البيداغوجي .
هذا الإصلاح يبقي رهان المغرب الحقيقي ليس في إعادة تقسيم وتوزيع المؤسسات والمكاتب الإدارية، بل في قدرته على تكوين جيل جديد من المهندسين والتقنيين والقادة القادرين على بناء الغد، فالمرسوم الحالي هو أرضية ضرورية، لكنها غير كافية، والاستشراف الحقيقي يبدأ من اليوم بإضافة الطوابق التكوينية لهذه الأرضية، ما يستدعي تدارك النقائص مستقبلا عبر ما يلي:
1) تعزيز الربط بين الجامعة وسوق الشغل والسياسات العمومية الوطنية:
التركيز على المهارات التي تتطلبها الثورة الصناعية الرابعة (مثل الذكاء الاصطناعي) لتعزيز القدرة التنافسية وتحقيق الأمن الغذائي في الفلاحة، وتطوير خدمات سياحية ذكيةـ، وتعزيز كفاءة قطاعي الطاقة والماء.
2) اعتماد الحكامة الجيدة:
يتجلى ذلك عبر اعتماد نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) في تسيير المؤسسات والمعاهد، كما هو معمول به في الدول المقارنة، لضمان الاستجابة الفعلية لاحتياجات السوق، وتعزيز التوجه العملي الذي يركز على الجانب التطبيقي من خلال مراكز للمهارات المهنية.
3) توطين النماذج الجديدة في الجهات والأقاليم في إطار العدالة المجالية والجيواستراتجية المحلية:
وذلك عبر ربط التكوين بالجهة أو الإقليم، من خلال التركيز على التخصصات التي تعكس حاجة واحتياج كل جهة، وهكذا على سبيل المثال: جهة الدار البيضاء سطات: التركيز على الصناعات الغذائية (Agro-industries) والأمن المائي؛ جهة مراكش أسفي: تعزيز تكوينات السياحة والضيافة؛ جهة كلميم وادنون: تطوير تكوينات متخصصة في الطاقات المتجددة (الشمسية والرياح)؛ جهة الرباط سلا القنيطرة: التركيز على تكوينات الماء والبيئة والتكنولوجيا الحيوية (Biotech)؛ جهة بني ملال خنيفرة: التركيز على تكوينات الفلاحة والاقتصاد القروي؛ جهة درعة تافيلالت: تطوير تكوينات متخصصة في الفلاحة الواحية والسياحة والاقتصاد الاجتماعي والتضامي وعلوم الآثار.
هذا، ويمكن تقديم مقترحات بأسماء الكليات والمعاهد الجديدة على ضوء التجارب العالمية:
المدرسة العليا للفلاحة الذكية أو المعهد العالي للأمن الغذائي والزراعات المستدامة: تقدم تكوينات جديدة في الفلاحة والزراعة الذكية، الأمن الغذائي، التكنولوجيا الحيوية النباتية.
المدرسة العليا للسياحة والضيافة أو المعهد العالي للسياحة المستدامة والابتكار: تكوينات حديثة في مجال السياحة والتسويق السياحي، الضيافة الذكية، تنظيم الفعاليات (استحقاقات 2030).
المدرسة العليا للطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية أو المعهد العالي للهيدروجين الأخضر والطاقات النظيفة الطاقة: تقدم تكوينات جديدة حول الطاقة الشمسية، كفاءة الطاقة، الهيدروجين الأخضر.
المدرسة العليا لعلوم وتقنيات الماء أو المعهد العالي للأمن المائي والتحلية الماء: تحلية المياه، تدبير الموارد المائية، معالجة المياه وتقديم أجوبة على التغيرات المناخية.
المدرسة العليا لعلوم البحار والملاحة البحرية أو كليات الدراسات البحرية: توفر طاقات بشرية متخصصة في تدبير الموارد البحرية، الفلاحة البحرية، أمواج البحر والطاقة المتجددة، دراسة البيئة البحرية.
المدرسة الوطنية للصناعة والهندسة أو كليات الصناعة والمعادن الحرجة.
كليات السياسات العمومية: التركيز على تكوينات السياسات الاقتصادية والاجتماعية، السياسات الدولية.
كلية الدراسات الإفريقية: التركيز على الاقتصاد الإفريقي، العلاقات الإفريقية، التنمية المستدامة، الغابات والنمو السكاني.
وعلى العموم، ينبغي أن تدرك الوزارة الوصية هذا الخلل (السيناريو التصحيحي)، وتبادر خلال الأشهر المقبلة إلى إطلاق برامج مكملة، تركز على الجانب البيداغوجي والتكويني، وذلك من بوابة إحداث كليات ومعاهد متخصصة تتماشى مع الجهوية المتقدمة وتستجيب مباشرة لاحتياجات مشاريع الطاقة والماء والسياحة، أو توقيع شراكات إفريقية مع جامعات كبرى في غرب وشرق ووسط إفريقيا، لإنشاء مسارات تكوين مشتركة وبرامج تبادل بحثي، تعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي للتميز، إضافة إلى إصلاح المحتوى البيداغوجي بإدخال وحدات إلزامية في الاقتصاد الإفريقي، الدبلوماسية الاقتصادية، واللغات الإفريقية الحيوية.
ولكن، في حال بقاء الإصلاح على ما هو عليه دون إضافات جوهرية (السيناريو التأخيري)، فالأمر قد يؤدي إلى استمرار الفجوة بين مخرجات الجامعة واحتياجات السوق، مما يضطر القطاع الخاص (شركات الماء والطاقة والفنادق الكبرى) إلى استقدام الكفاءات من الخارج أو إنشاء مراكز تكوين خاصة به، ناهيك عن إمكانية تراجع القدرة التنافسية الإفريقية، بحيث لن تجد الاستراتيجيات المغربية في إفريقيا (مثل مبادرة الحزام الأخضر، مشاريع البنوك والبنيات التحتية) الكفاءات المحلية القادرة على إدارة وتنفيذ هذه المشاريع، مما يضعف النفوذ المغربي، وأخيرا تفاقم البطالة الهيكلية، حيث سيستمر تكوين وتخرج آلاف الطلبة بشهادات تقليدية غير مطلوبة في مشاريع المستقبل وزمن الذكاء الاصطناعي والتحديات العالمية الكبرى، مع استمرار نقص حاد في التقنيين والمهندسين في القطاعات الجديدة.
في الختام، يمكن القول إن مشروع المرسوم رقم 2.25.561 الذي صادقت عليه الحكومة في 4 يونيو 2026، يمثل خطوة تنظيمية هيكلية ضرورية، لكنها تظل غير كافية وغير متوازنة؛ فقد ركز الإصلاح بشكل حصري تقريبا على إعادة هيكلة المؤسسات الجامعية وتقسيمها الإداري، بهدف تحسين التأطير البيداغوجي وتعزيز التخصص الأكاديمي، متجاهلا بذلك الجانب الجوهري المتعلق بمحتوى التكوينات وملاءمتها للحاجيات المستجدة للمملكة، فالمغرب الصاعد يحتاج إلى التخصصات التي تواكب المشاريع العمومية الكبرى التي تشهدها البلاد في قطاعات حيوية، كالماء (تحلية المياه، السدود، الري الذكي)، الطاقة (الهيدروجين الأخضر، الطاقات المتجددة)، السياحة (السياحة المستدامة والذكية)، والاقتصاد الإفريقي (الاستثمار، التجارة، البنيات التحتية). هذا الغياب يجعل الإصلاح، في شكله الحالي، يبدو إصلاحا إداريا لا أكثر، بينما تظل الأسئلة الكبرى حول جودة التكوين، وربطه بسوق العمل، وإعداد كفاءات قادرة على قيادة التحولات الاستراتيجية للمغرب في قارته، معلقة دون إجابات عملية.
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

