الغريب في هذه الحياة ليس أن نمرض.. بل كيف نبرأ.. والأغرب ليس في قيود الجسد بل في تلك القوة الخفية التي تجعل طفلاً عاجزاً عن المشي يتحول فجأة إلى إعصار يركض خلف كرة صامتة فيجعلها تنطق بالمعجزات..!
هذه ليست مجرد قصة لاعب كرة قدم يدعى إسماعيل صيباري هي فلسفة بشرية مكتوبة بالدم والدموع والحديد الملتف حول ساقين غضتين.
وُلد هذا الصبي في بلاد تيراتسا بإسبانيا ثم حملته عائلته إلى صقيع بلجيكا لم تكن المشكلة في تغيير الجغرافيا بل في جسده.
لقد ولد الطفل وفي قدميه اعوجاج حاد نحو الداخل تشخيص الأطباء كان بارداً مثل جدران مستشفياتهم :
(هذا الطفل قد لا يمشي كأقرانه).. أما الحديث عن كرة القدم في ذلك الوقت فكان أقرب إلى الهذيان أو شطحات الخيال التي لا يصدقها عقل
عاش الصغير طفولة غريبة لم يركض في الحدائق.. ولم يطارد الفراشات حتى سن الثانية من عمره ما زالت خطواته مؤجلة وبدلاً من الألعاب صبّوا له قوالب حديدية قاسية وأحذية طبية تصل إلى الركبة وآلات لتقويم المشي.
تخيلوا معي طفلاً ينام وكلتا ساقيه ممدودتان بقوة الحديد يتجرع في كل ليلة آلاماً مبرحة ومخاوف لا تتوقف..
هناك.. كان صراع خفي بين لحم طريّ يريد والانعتاق وبين معدن بارد يصرخ في وجهه : قِف.. تجمّد في مكانك
وهناك أيضاً في قلب هذا الالألم الصامت يتجلى تناغمٌ عجيب بين دلالة الاسم الشخصي وعمق اللقب العائلي لهذا الفتى ليشكّلا معاً نبوءةً لخصت مسيرته الإنسانية قبل الرياضية.
فمن جانبٍ أول يحمل اسمه إسماعيل رمزية دينية وتاريخية ضاربة في الوجدان الإنساني ترتبط بالامتثال المطلق لتقدير الخالق والتضحية التي تتطلب تسليماً تاماً وثباتاً أمام الابتلاء العظيم. هذا النبل في دلالة الاسم يتكامل بشكل مذهل مع لقبه صيباري كاشتقاق بليغ يقترب في مبناه ومعناه من الصبر والتحمل والمثابرة وهي الصفات التي لم تكن مجرد مجاز في حياته بل تجسدت واقعاً مريرًا حين تجرّع آلام الحديد الطبي المقوِّم لأرجله.
لقد كان الطفل صيباري بكل ما في الكلمة من أبعاد صبوراً على وجع المعدن وثقل القيد متحملاً أوجاع الجسد بعزيمة لا تلين وكأنه كان يصقل روحه للمستقبل وسط جحيم الألم ليجتمع فيه إرث إسماعيل القائم على الفداء والامتثال وعزيمة صيباري المجبولة على الصبر والجلد.
ولم يكن هذا الصبر ليمر دون سند فالمعادلة اكتملت وراء هذا الحديد بجدار آخر يحميه : قلب أم تسهر الليل لتغسل أوجاعه بدموع الحنان وأب يزرع في صمت الغربة بذور الانضباط والاعتماد على النفس. يقول الصيباري بكثير من الشجن:
( لم أكن أتخيل يوماً أنني سأصبح لاعباً محترفاً فقد كنت عاجزاً عن السير كبقية الأطفال !
وحين نجح العلاج وفُكّ الأسر انطلق إسماعيل. لم يكن يمشي كان يطير
كأنه يريد أن يثأر من كل ثانية قضّاها مكبلاً ومثل كل الأنقياء لم تفرش له الدنيا السجاد الأحمر في بداياته مع أندية بلجيكا استغنى عنه نادي أندرلخت ببريد إلكتروني بارد مفاجئ وقالوا عنه إن بنيته ضخمة ووزنه زائد ولا يصلح للركض.
آه من أحكام البشر المتعجلة إنهم ينظرون إلى الغلاف ولا يقرؤون الكتاب.
هذه الصدمات لم تكسره.. بل شحذت روحه فتنقل بين الأندية حتى انفجرت عبقريته في نادي آيندهوفن الهولندي.
ودارت الأيام دورة كاملة..
تلك القدمان اللتان عجزتا عن حمل طفل في الثانية أصبحتا اليوم في مونديال أمريكا قذيفتين تهزان الشباك وتسجلان أسرع هدف في البطولة حتى الساعة.
لقد ركض في الملعب بسرعة خارقة لا ليحرز هدفاً بل ليعلن للعالم كله أن قيود الطفولة قد تلاشت. ولم يكتفِ بالسرعة؟؟ بل قدم في مرمى راقصي السامبا سيمفونية إبداع شهد بها البرازيليون قبل غيرهم.
كان يمكن لإسماعيل أن يختار اللعب بلجيكا حيث البنية التحتية والمستقبل المضمون والأضواء الأوروبية لكنه تذكر نداء الدم .
تذكر يد أمه التي كانت تمسح على قدميه المريضتين في ليالي الغربة فاختار أن يرتدي قميص أسود الأطلس بل قال بلسان الفيلسوف الصادق:
(عندما يتعلق الأمر بالمنتخب الوطني كان عليّ أن أختار ما يمليه علي قلبي / أمّي دون الأخذ بعين الاعتبار الخيار الرياضي)
إن الصيباري اليوم ليس مجرد لاعب يداعب قطعة من الجلد المنفوخ بل رمز إنساني هائل
هو الدرس الذي يقول لكل طفل باكٍ، ولكل إنسان محبط:
القيود لا تصنع المصير.. والعزيمة قادرة على اختراق جدران المستحيل الطبي لتمنح شعباً بأكمله.. أجنحة من الفخروالإعتزاز
يوسف غريب كاتب صحفي
هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24
