أثار إعلان وزير التربية عن اللائحة التعليمية الجديدة نقاشاً واسعاً في الأوساط التربوية والتعليمية. ومع التقدير لأي جهد إصلاحي يستهدف تطوير التعليم، فإن السؤال الجوهري يبقى: هل تمثل هذه اللائحة رؤية تعليمية جديدة تعالج تحديات المستقبل، أم أنها مجرد تعديلات إجرائية داخل إطار النظام القائم؟
من وجهة نظري، ومن واقع تجربة عملية امتدت ما يقارب 30 عاماً في التعليم العام منها لأكثر من ثلاثة عشر عاماً في إدارة المعهد الديني بوزارة التربية (1991 2004)، شاركت خلالها في إعداد «إستراتيجية التعليم الديني» التي اعتمدت رسمياً عام 2002، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من اللوائح، بل من الرؤية والإستراتيجية الوطنية للتعليم.
لقد تغيّر العالم بصورة جذرية خلال العقدين الماضيين.
فالذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، واقتصاد المعرفة، والتحولات المهنية المتسارعة، جميعها فرضت واقعاً جديداً لم تعد معه النظم التعليمية التقليدية قادرة على إعداد الإنسان للمستقبل.
ومن هنا فإن الكويت بحاجة إلى إستراتيجية تعليمية وطنية جديدة تنطلق من سؤال بسيط:
أي مواطن نريد أن نُخرج بعد عشرين عاماً؟
دروس من سنغافورة وماليزيا:
خلال زيارة رسمية ضمن وفد تربوي عام 2002 إلى سنغافورة وماليزيا للاطلاع على تجاربهما التعليمية، لفت انتباهي أن سر النجاح لم يكن في المباني أو التقنيات، وإنما في وجود رؤية وطنية متكاملة ربطت التعليم بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ففي ماليزيا ارتبطت الإصلاحات التعليمية برؤية مهاتير محمد، للتحول إلى دولة صناعية متقدمة.
أما في سنغافورة فقد ارتبط التعليم بمشروع بناء الدولة الذي قاده لي كوان يو، حيث اعتُبر التعليم الأداة الرئيسية لتحويل جزيرة صغيرة فقيرة الموارد إلى أحد أكثر اقتصادات العالم تنافسية.
واليوم تتصدر سنغافورة نتائج الاختبارات الدولية، فقد حقق طلابها المركز الأول عالمياً في اختبارات OECD PISA 2022 في الرياضيات والعلوم والقراءة، كما سجلت أعلى نسبة من الطلبة المتفوقين عالمياً وأدنى نسب الطلبة ذوي الأداء المتدني.
ماذا فعلت سنغافورة؟
هناك اعتقاد شائع بأن نجاح سنغافورة يعود إلى صرامة الامتحانات فقط، بينما الحقيقة أكثر عمقاً.
فقد قامت فلسفة التعليم السنغافورية على أربعة مرتكزات رئيسية:
أولاً: تعليم يناسب قدرات المتعلم
أدركت سنغافورة مبكراً أن الطلبة ليسوا نسخة واحدة، وأن الفروق الفردية حقيقة تربوية لا يمكن تجاهلها.
لذلك طورت نظاماً يراعي مستويات التعلم المختلفة ويقدم مناهج ومسارات مناسبة لكل فئة من الطلبة، مع توفير مرونة للانتقال بين المستويات بحسب تطور أداء الطالب. وقد تطور النظام لاحقاً من «التصنيف الصارم» إلى «التعليم المرن القائم على المواد والمستويات» لتقليل الآثار السلبية للتقسيم التقليدي.
ثانياً: القضاء على الهدر التعليمي
عندما بدأت سنغافورة إصلاحاتها التعليمية في أواخر السبعينات كانت تعاني نسباً مرتفعة من الرسوب والتسرب، إذ سجلت معدلات الهدر التعليمي آنذاك نحو 29 % في المرحلة الابتدائية و36 % في المرحلة الثانوية.
وقد صُمم النظام الجديد لمعالجة هذه المشكلة عبر توفير مسارات متعددة تناسب قدرات الطلبة وسرعات تعلمهم المختلفة.
والنتيجة أن سنغافورة أصبحت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الراي
