حين أمضيت سنوات طويلة في القطاع البنكي والاستثماري، كنت أعتقد أن أكثر ما أنتجته البشرية تطوّراً في إدارة الأموال هو ما نراه اليوم من صناديق استثمار، ومحافظ مالية، وأدوات لإدارة المخاطر، ونماذج للاستدامة المالية، لكن بعد تطوعي للعمل في جمعية النجاة الخيرية، بدأت أقترب أكثر من مفهوم الوقف الإسلامي، فاكتشفت أنني أمام منظومة اقتصادية عميقة سبقَت كثيراً من الأفكار الحديثة، وإن اختلفت المصطلحات والأدوات.
في البداية، كنت أنظر إلى الوقف باعتباره عملاً خيرياً تقليدياً: أرض تُحبس، أو عقار تُصرف إيراداته على مسجد أو مدرسة أو فقراء، لكن مع التعمق، أدركت أن الوقف ليس مجرّد تبرّع طويل الأجل، بل هو في حقيقته «هندسة مالية اجتماعية» شديدة الذكاء، تقوم على فكرة تحويل الثروة من حالة الاستهلاك المؤقت إلى أصلٍ منتج مستدام. وفي عالم البنوك، كنا نميّز دائما بين نوعين من العملاء: مَن يملك سيولة مؤقتة، ومن يملك أصولا مدرّة للدخل؛ فالأول يعيش على التدفقات النقدية الآنية، أما الثاني فيبني استقراراً طويل الأجل، وهنا بالضبط تكمن عبقرية الوقف الإسلامي؛ فهو لا يستهلك المال مباشرة، بل يحوّله إلى أصل يبقى وينتج ويخدم المجتمع باستمرار، ولهذا يمكن القول إن الوقف هو أقرب ما يكون إلى «صندوق استثماري تنموي» هدفه تحقيق أثر اجتماعي دائم، وليس مجرّد تحقيق ربح مالي.
ومن خلال هذه الزاوية بدأت أرى أن الوقف يقوم على الفكرة نفسها التي تقوم عليها المؤسسات المالية الناجحة؛ فهذه المؤسسات لا تُقاس فقط بحجم أرباحها السريعة، بل بقدرتها على بناء نموذج قادر على الاستمرار لعقود طويلة. وكذلك الوقف؛ فالصدقة المباشرة تشبه الإنفاق التشغيلي الذي يحقق أثراً سريعاً، لكنّه مؤقت، أما الوقف فهو أقرب إلى بناء.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة
