.. كانت هذه العبارة الشرارة الأولى لبداية حوار طويل مع صديق عمري، ذلك الرفيق الذي رافقني منذ الطفولة وإن لم تجمعنا مقاعد الدراسة إلا في المرحلة الثانوية. اكتشفنا سريعًا أننا متشابهان إلى حد التطابق؛ في الطباع والميول والأحلام، حتى بدا وكأننا انعكاسان لمرآة واحدة.
غير أن صديقي كان يحمل في داخله مسحة حزن لا تفارقه، كغيمة رمادية تفسد صفاء أي لحظة فرح. كنت أسأله مرارًا عن سر هذا الحزن، لكنه كان يلوذ بابتسامة باهتة، ثم يهرب إلى منحدر النسيان وكأنه يخشى مواجهة ذاته.
تخرجنا من مؤسستنا التعليمية التي لم تكن سوى مقصلة للأحلام، ومع ذلك ظل هو مختلفًا، ينتمي إلى ثقافة أعمق وأوسع من محيطنا الضيق. في البداية أدهشتني غرابة طباعه، لكنني سرعان ما ألفتها، بل أحببتها، رغم أنها أبعدته عن كثير من الأصدقاء الذين لم يحتملوا فرادته.
وذات يوم اقتحمت عالمه وسألته عن سر ترديده لتلك العبارة التي ما دام تشدق بها، يمضغ حروفها ببطء كمن يستعيد عمرًا مضى. أعادها أمامي بتمهل: "إن.. عصرنا.. عصر.. مأساوي.. في.. جوهره.. لكننا.. نرفض.. بشدة.. أن.. نجعل.. منه.. مأساة."
قهقهت ساخرًا وقلت له: ما بك أيها البهلوان؟ تردد كلمات كأنك على خشبة مسرح تراجيدي! هل هي من وحي مرارتك؟ ابتسم وهز رأسه نافيًا، ثم نطق باسم مؤلفها مجردًا:
: "دافيد هربرت لورانس."
ضحكت وسخرت منه ومن الكاتب، بينما ظل هو غارقًا في صمته، متكئًا على كومة همومه الداخلية. كنت أعلم أن بداخله بحرًا من الأحزان لم يبح به لأحد، ومع ذلك كان قادرًا على التأمل في الحياة بعذاباتها، والاستمتاع بأفراحها حين تلوح، وإن كانت قصيرة العمر.
كنت أستشعر لحظة انزلاقه إلى هاوية اللامبالاة قبل أن تبتلعه، فأراه ينسلخ من نفسه وينزوي أمام صورة والده التي تتوسط مكتبته الهائلة، تلك المكتبة التي تضم معالم المعرفة الإنسانية في شتى التخصصات. هناك، أمام تلك الصورة، كان يلوذ بصمت طويل، كأنها ملاذه الأخير من صخب العالم.
ذات مرة تركته وهو يعاني من تلك الحالة التي كثيرًا ما تعتريه، حبيس مكتبة أبيه خمسة أيام متصلة لم يغادرها. وحين قررت أن أنسحب من عالمه وأتركه يستمتع بعزلته، فاجأني بما لم أعهده منه من قبل. دخل حجرته وأغلق الباب خلفنا، ثم انهار باكيًا بكاءً حارًا هز كياني وبعثر أعماقي. ركع خلف الباب وهو يموء كقط بري فقد أمانه، ينادي بصوت متألم:
حرمت يا بابا!"
أي بابا هذا؟ ونحن على مشارف العقد الرابع من عمرنا، هل ما زال يعيش طفولته إلى الآن؟ كنت أعلم أن نوبات هستيرية قصيرة تسيطر عليه أحيانًا، ثم يفيق منها سريعًا، لكن الأمر هذه المرة بدا مختلفًا. عيناه الواسعتان اللامعتان كانتا تحدقان في صورة أبيه بحدة غريبة، كأنهما نافذتان إلى عالم آخر.
وضعت يدي على كتفه لأرفعه من جلسته الطويلة على أرضية المكتبة، محاولًا أن أهوّن عليه، فقلت:
البقاء لله.. كلنا إلى زوال.
لكن كلماتي أشعلت ثورة في داخله؛ فوران قلبه تحول إلى غضب جارف، وانقلب من ضعيف باكٍ إلى صفيق عنيد، بزغت عيناه عن حدود حاجبيه، وشممت رائحة غبار قبل معركة وشيكة.
في تلك اللحظة دخل عم منيع، الحارس الخاص للفيلا الكبيرة، رجل ضئيل البنية لكنه شديد القبضة. أمسك بكتف صديقي بقوة، فاستسلم له، وأجلسه على المقعد الهزاز في ركن المكتبة، ذلك المقعد الذي لم يجرؤ أحد يومًا على امتطائه لأنه كان مقعد الأب. ظل صديقي يحرك الكرسي إلى الأمام والخلف حتى استكان، ثم غفا في نوم ثقيل كمن يهرب إلى عالم آخر.
أما عم منيع، فقد ظل يحدق في وجهه دون أن يظهر عليه أي تغير، كأنه يفكر في سر تلك العيون الغريبة التي أرهقها الحزن وأثقلها الإرث.
ظللت أراقب الموقف وقد أصابتني حالة من اندهاش ممزوج ببلاهة وقلة حيلة، حتى الكلمات أبت أن تسعفني وتخرج لتكسر هذا الجمود الثقيل. كان الصمت يهيمن على المكان كأنه جدار لا يمكن اختراقه.
قطع منيع هذا الصمت حين أطلق عبارته في وجهي ليكسر ملل اللحظة المفعمة بما لم أعتده من قبل:
"الحمد لله.. الآن يستطيع أن ينام نومًا عميقًا."
همهمت ببعض الكلمات المرتبكة: الحمد لله.. ربنا يستر.. الشافي هو الله.. محاولًا أن أخرج هذا العجوز من حالته التي بدت وكأنها طقس أرسطي غامض. لكن فجأة، وكأنني لم أعد موجودًا، سجد منيع أمام صديقي كناسِك في معبد هندوسي يتبتل بخشوع، مشهد أسطوري غريب جعلني أقرر ألا أنسحب، بل أن أبقى لأزداد انتشاءً بهذا الطقس المدهش.
رن جرس الباب معلنًا عن طارق مجهول. لملم منيع نفسه داخل جلبابه الأزرق الفضفاض، وانسحب من المكتبة ملبيًا النداء. بقيت أنا، أسناني تتراقص من التوتر، وعيناي تدمعان من شدة التحديق في هذا الرجل الذي خشيت أن يصدر عنه فعل لا أستطيع أن أرصده أو أستوعبه.
تسللت بخطواتي إلى نافذة بجوار الباب الرئيسي، أسترق السمع. فإذا بامرأة عجوز تقف هناك، تتوسل إلى منيع أن يرق قلبه لحالها، لكنه ظل صلبًا، يأبى أن يلين. لملمت العجوز سنين عمرها في دمعة واحدة انسكبت من عينيها، ثم ابتلعها الليل بأسنانه الشرسة، كما لو أن الظلام نفسه تواطأ مع قسوة منيع.
غمرني غيظ شديد، دفعتني قدماي إلى مواجهة منيع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الفجر
