الحقل الصحي في الصدارة.. كيف سيواكب الطلبة متطلبات العصر؟

آلاء مظهر عمان- على الرغم من توجه وزارة التربية والتعليم نحو تحقيق توازن في توزيع طلبة التعليم على الحقول الأربعة في المسار الاكاديمي، ما يزال الحقل الصحي يحظى بالنصيب الأكبر من إقبال الطلبة، مقابل حضور أقل لحقول العلوم وتكنولوجيا المعلومات.

ويفتح هذا التفاوت الباب أمام تساؤلات حول الأسباب التي تقف وراء تفضيل الطلبة للحقل الصحي؟ وكيف يمكن تعزيز الإقبال على العلوم وتكنولوجيا المعلومات؟

وكان وزير التربية والتعليم الدكتور عزمي محافظة شدد خلال لقائه مؤخرًا رؤساء أقسام التخطيط التربوي والتعليم المهني في مديريات التربية والتعليم، على ضرورة تحقيق التوازن في توزيع الطلبة بين الحقول الأربعة، بحيث لا تتجاوز نسبة الملتحقين بأي حقل 30 بالمئة، مبينًا أن نسبة الإقبال على الحقل الصحي بلغت 35 بالمائة، فيما تعمل الوزارة على تعزيز الإقبال على حقل العلوم وتكنولوجيا المعلومات، بالتعاون مع مديريات التربية والتعليم ومديري المدارس، بما يحقق العدالة في توزيع الطلبة ويلبي احتياجات سوق العمل.

وفي ضوء ذلك، يؤكد خبراء تربويون أن ارتفاع نسبة الإقبال على الحقل الصحي، مقارنة بحقل العلوم وتكنولوجيا المعلومات، يعكس ظاهرة تربوية ومجتمعية تستحق التوقف عندها، مبينين أن اختيارات الطلبة لم تعد تستند في كثير من الأحيان إلى احتياجات سوق العمل، بقدر ما تتأثر بالصورة الذهنية السائدة عن بعض المهن.

وبينوا في أحاديث منفصلة لـ"الغد"، أن محدودية الوعي بطبيعة المهن الرقمية وآفاقها المستقبلية، إلى جانب غياب النماذج الملهمة وضعف الربط بين المناهج الدراسية الجامعية والتطبيقات العملية، تعد من أبرز الأسباب التي تحد من إقبال الطلبة على حقل العلوم وتكنولوجيا المعلومات، وتدفعهم إلى اختيار مسارات تقليدية تبدو أكثر وضوحاً بالنسبة لهم ولأسرهم.

وشددوا على أن تعزيز الإقبال على هذا الحقل يتطلب الانتقال من حملات التوعية العامة إلى سياسات عملية، تبدأ بتطوير منظومة الإرشاد الاكاديمي والمهني داخل المدارس، بحيث تستند إلى بيانات محدثة حول احتياجات سوق العمل، وليس إلى الانطباعات الاجتماعية، إلى جانب تعريف الطلبة منذ المراحل الدراسية المبكرة بمهن المستقبل، وإتاحة الفرصة أمامهم لخوض تجارب عملية في البرمجة، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، بما يساعدهم على اكتشاف ميولهم وقدراتهم.

مؤشرات تربوية

في هذا السياق، أكد الخبير التربوي فيصل تايه، أن تركز إقبال الطلبة على الحقل الصحي، مقارنة بحقل العلوم وتكنولوجيا المعلومات، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد مؤشر إحصائي مرتبط بدورة القبول الحالية، وإنما باعتباره مؤشراً تربوياً يعكس طبيعة العوامل التي تؤثر في اختيارات الطلبة خلال مرحلة مفصلية من حياتهم التعليمية.

وأوضح أن اختيار الطالب للمسار الدراسي لا تحكمه الرغبة الشخصية وحدها، بل يتأثر بمنظومة متكاملة تضم ثقافة الأسرة، والصورة الذهنية التي يحملها المجتمع عن بعض المهن، ومستوى فاعلية الإرشاد التربوي داخل المدارس، إضافة إلى وعي الطلبة بالتحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل محلياً وعالمياً.

وشدد تايه على أن قراءة هذه المؤشرات ينبغي أن تتم من منظور إستراتيجي يربط بين سياسات التعليم ومتطلبات بناء رأس المال البشري الذي يحتاجه الأردن في المرحلة المقبلة.

وأشار إلى أن الإقبال المرتفع على الحقل الصحي يعود إلى عدة عوامل، أبرزها المكانة الاجتماعية التي ما تزال تتمتع بها المهن الصحية، واعتقاد كثير من الطلبة وأولياء الأمور بأنها توفر مساراً أكاديمياً ومهنياً مستقراً وواضحاً، فضلاً عن أن جائحة كورونا عززت من أهمية القطاع الصحي في الوعي المجتمعي.

وفي المقابل، لفت تايه إلى أن كثيراً من الطلبة لا يمتلكون تصوراً واضحاً عن التحولات الكبيرة التي يشهدها حقل العلوم وتكنولوجيا المعلومات، رغم أنه أصبح من أكثر القطاعات نمواً وارتباطاً بوظائف المستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والحوسبة، والتقنيات الرقمية.

وقال إن التحدي الحقيقي لا يكمن في ضعف أهمية حقل العلوم وتكنولوجيا المعلومات، وإنما في الفجوة بين واقع هذا الحقل والصورة الذهنية السائدة عنه، موضحاً أن الطالب غالباً ما يختار التخصص الذي يعتقد المجتمع أنه أكثر مكانة أو استقراراً، وليس بالضرورة التخصص الذي يتوافق مع احتياجات المستقبل.

وبين أن معالجة هذه الفجوة تتطلب بناء ثقافة جديدة في التوجيه الأكاديمي والمهني، تجعل قرار الطالب قائماً على معرفة علمية بقدراته وميوله، وفهم دقيق للتحولات الاقتصادية والمهنية.

ضرورة الإرشاد المهني

ورأى تايه أن الإجراءات التي أعلنت عنها وزارة التربية والتعليم، وفي مقدمتها استطلاع رغبات طلبة الصف التاسع في مرحلة مبكرة، وتوزيعهم وفق الرغبة والتحصيل الأكاديمي، والعمل على تحقيق التوازن بين الحقول المختلفة، تمثل تحولاً مهماً في إدارة المسارات التعليمية، لأنها تنقل عملية توجيه الطلبة من الاجتهادات الفردية إلى التخطيط المبني على البيانات، بما ينسجم مع فلسفة تحديث التعليم ومستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، ويسهم في مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل.

وأكد أن نجاح هذه السياسات سيظل مرهوناً ببناء منظومة متكاملة للإرشاد المهني تبدأ منذ الصفوف الأساسية، ولا تقتصر على المرحلة التي يختار فيها الطالب مساره الدراسي، موضحاً أن الإرشاد المهني لم يعد نشاطاً مدرسياً مكملاً، بل أصبح أداة إستراتيجية لإدارة رأس المال البشري.

وتابع تايه أن تعريف الطلبة مبكراً بميولهم وقدراتهم، وإطلاعهم على طبيعة المهن المستقبلية، وزياراتهم للمؤسسات الإنتاجية، ولقاءهم بنماذج ناجحة في مجالات العلوم والتكنولوجيا، كلها عوامل تساعدهم على اتخاذ قرارات أكثر وعياً واستقلالية.

ودعا إلى تعزيز الشراكة بين وزارة التربية والتعليم، والجامعات، وقطاع التكنولوجيا، والمؤسسات الإنتاجية، من خلال توسيع البرامج التطبيقية، والأنشطة الابتكارية، ومسابقات البرمجة والروبوتات والذكاء الاصطناعي، والزيارات الميدانية، وعرض قصص النجاح الوطنية، بما يسهم في تعريف الطلبة بالفرص الحقيقية التي يوفرها حقل العلوم وتكنولوجيا المعلومات.

كما شدد تايه على أهمية دور الأسرة في توجيه اختيارات الطلبة، مبيناً أن كثيراً من قراراتهم تتشكل داخل المنزل قبل المدرسة، الأمر الذي يستدعي بناء وعي مجتمعي جديد بأهمية التخصصات العلمية والتقنية، وبما تتيحه من فرص أكاديمية ومهنية، بحيث يصبح معيار الاختيار قائماً على الميول والقدرات واحتياجات التنمية، لا على الصور النمطية المرتبطة ببعض التخصصات.

وختم تايه بالتأكيد أن نجاح وزارة التربية والتعليم لن يقاس فقط بزيادة نسبة الملتحقين بحقل العلوم وتكنولوجيا المعلومات، وإنما بقدرتها على بناء منظومة توجيه مهني تمكّن الطالب من اتخاذ قرار واعٍ يجمع بين ميوله الشخصية واحتياجات الاقتصاد الوطني، وبإعداد جيل يدرك أن اقتصاد المستقبل يقوم على العلم والتكنولوجيا والابتكار، وأن قيمة التخصص تقاس بقدرته على صناعة المعرفة وخلق فرص العمل والإسهام في تحقيق التنمية المستدامة.

الانقياد للصورة الذهنية

بدوره، أكد الخبير التربوي محمد الصمادي أن ارتفاع نسبة الإقبال على الحقل.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 6 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 9 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 6 ساعات
خبرني منذ 11 ساعة
قناة رؤيا منذ 13 ساعة
خبرني منذ 12 ساعة
خبرني منذ 16 ساعة
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 17 ساعة
خبرني منذ 16 ساعة