في عالم يتسم بالتعقيد والتشابك البنيوي، لم يعد من الممكن تفسير أو مواجهة أو استشراف الظواهر السياسية والاقتصادية بمنهج ارتجالي أو بالارتهان إلى خبير معين، ومن هنا تبلورت الحاجة الملحة لمراكز الفكر (Think Tanks) باعتبارها مؤسسات بحثية تؤمن عملية التوليف الفكري، حيث تلتقي تخصصات متعددة داخل إطار تحليلي منسجم يحول تشتت المعارف إلى رؤية استراتيجية قابلة للتنفيذ. وتُعرَف هذه المراكز بأنها مؤسسات بحثية غير ربحية تؤدي وظيفة الجسر الحيوي بين المعرفة الأكاديمية وصناعة القرار السياسي، بما يجعلها عقلا موازيا يساهم في توجيه مؤسسات الدولة، خاصة في المراحل المتسمة بالتحول والتعقيد..
وقد نشأت هذه المؤسسات في بدايات القرن 19 في كل من بريطانيا والولايات المتحدة، استجابة لحاجة صناع القرار إلى عقول متخصصة، ولكنها جامعة تمدها بالرأي المستقل والتحليل العميق، وكان من أبرز تجلياتها المبكرة تأسيس Royal United Services Institute سنة 1831، الذي أرسى تقاليد البحث الاستراتيجي المنظم، ومع تطور الدولة الحديثة، اتجهت مراكز الفكر نحو التخصص الدقيق في العلاقات الدولية، والسياسات الاقتصادية، وقضايا البيئة والمناخ، حيث يغدو تكامل الخبرات شرطا لفهم الواقع وصياغة البدائل.
وتؤكد التجارب الدولية أن مراكز الفكر كانت في أحيان كثيرة المهندس غير المرئي للمشاريع الاستراتيجية الكبرى؛ فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة الأمريكية، ساهم مجلس العلاقات الخارجية، وهو مركز فكري أمريكي تأسس سنة 1921، في وضع الأسس النظرية والعملية لأحد أبرز مشاريع القرن العشرين، ويتعلق الأمر بـ Marshall Plan الذي كانت غايته حماية أوروبا من الزحف الأحمر للمعسكر الشيوعي من خلال برنامج اقتصادي وسياسي شامل بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن مراكز أبحاث من قبيل Atlantic Council وBrooking Institute وCarnegie Endowment for International Peace وCSIS، وغيرها من المؤسسات البحثية الأمريكية، تلعب دورا محوريا في توجيه سياسات القوة العظمى في العالم، بل الأكثر من ذلك، أن العديد من المؤسسات السيادية الأمريكية مرتبطة ارتباطا وثيقا بمراكز فكر وظيفتها رسم التوجهات الاستراتيجية لتلك المؤسسات، كمثال، ارتباط مؤسسة الدفاع الأمريكية بمركزRAND Corporation تلك المؤسسة التي اشتهرت بتناول وتحليل موجات حركات الإسلام السياسي في مطلع الألفية الثالثة، أما في المملكة المتحدة، فيشكل Chatham House نموذجا لمؤسسة استطاعت أن تخلق فضاءات للحوار النخبوي وتنتج مقاربات أثرت بعمق في توجيه السياسة الخارجية، وتقوم هذه المؤسسات على تكامل خلاق بين صرامة الأكاديميين وخبرة الممارسين، بما يجعل مخرجاتها أفكارا عملية تتجاوز التنظير إلى صناعة الأثر.
إن الغاية من ذكر هذه النماذج الدولية، هو التأكيد على ضرورة ترسيخ نظام بيئي قوي لمراكز الفكر المغربية، يجعل منها رافعة استراتيجية لتعزيز جودة القرار العمومي وترسيخ التخطيط القائم على الأدلة، وتتجلى أهمية هذا التوجه في ثلاثة وظائف محورية: أولا، تمثل مراكز الفكر آلية مؤسساتية لتحصين القرار العمومي من الانزلاق الشعبوي؛ ففي ظل الانتشار الواسع للمعلومات المضللة والحلول السطحية عبر المنصات الرقمية، توفر هذه المراكز تحليلات رصينة مبنية على البيانات، ودراسات مقارنة، وسيناريوهات بديلة، بما يرفع منسوب النضج في النقاش العمومي وينقل القرار من منطق الاستجابة الآنية لضغط الرأي العام إلى منطق التخطيط العقلاني طويل المدى؛ ثانيا، تعد هذه المراكز أداة فعالة لرفع النجاعة التدبيرية وتعزيز عقلانية السياسات العمومية، فمن خلال اعتماد أدوات الاستشراف، وتحليل التكلفة/المنفعة (Cost-Benefit Analysis)، وتقييم الأثر، تسهم مراكز الفكر في توجيه الموارد الوطنية نحو مشاريع ذات جدوى مثبتة، وتحد من مخاطر الارتجال وسوء ترتيب الأولويات، وهو ما سينعكس إيجابا على كفاءة الإنفاق العمومي واستدامة الميزانية؛ ثالثا، تمكن هذه المؤسسات من تعبئة الرأسمال البشري الأكاديمي وتحويل المعرفة النظرية إلى قيمة مضافة عملية؛ فالمغرب يزخر بكفاءات بحثية وطاقات علمية معتبرة، غير أن جزء مهما من هذا الإنتاج يظل محدود الأثر خارج الأوساط الأكاديمية، وهنا تضطلع مراكز الفكر بدور الوسيط الذي يحول الأبحاث إلى أوراق سياسات وتوصيات تنفيذية، بما يضمن تثمين المعرفة الوطنية وربط الجامعة بحاجيات الدولة والمجتمع، ويسهم في إشراك النخبة في صياغة مستقبلها الوطني.
وتبرز في هذا الإطار مؤسسات وطنية رائدة، من قبيل المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، ومركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، اللذين يسهمان في تحليل التحولات الكبرى وتعزيز الحضور الفكري للمملكة في محيطها الإقليمي والدولي. غير أن الطموح الوطني يقتضي توسيع هذا الزخم، بحيث تكون مراكز الفكر المغربية رديفا مؤسسيا داعما لصانع القرار في مختلف القطاعات.
ختاما، إذا كان القائد الفرد يحتاج إلى مستشارين وخبراء لاتخاذ القرارات، فإن الدولة الحديثة تحتاج إلى مراكز الفكر كمستشار استراتيجي دائم.. إنها العقل الذي لا ينام، والحارس الأمين على الموارد الوطنية من الهدر، والمحرك الذي يحول المعرفة إلى قوة، ثم إن الاستثمار في هذه المؤسسات هو استثمار في سيادتنا الوطنية، وفي جودة المستقبل الذي نصنعه للأجيال القادمة، فالأمم التي تزدهر هي تلك التي تفكر قبل أن تنفذ، ومن تم، فإن الاستثمار في مراكز الفكر ليس ترفا فكريا، بل ضرورة تفرضها تحديات القرن الحادي والعشرين.
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

