طارق الوزان يكتب - دراسة: من الثروة إلى القدرة: مشروع التحول الاقتصادي لشبه الجزيرة العربية

عالم جديد لا يرحم المتأخرين

من أكبر الأوهام في العلاقات الدولية الاعتقاد أن القوى الكبرى تنظر إلى العالم من زاوية مصالح الآخرين. فالدول تتحرك وفق أولوياتها الوطنية أولاً، ثم وفق مصالح شركائها عندما تتقاطع معها. وعندما تتعارض المصالح، تنتصر الواقعية السياسية على الشعارات.

وقد كشفت الأزمات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد خلال السنوات الأخيرة هذه الحقيقة بوضوح. فالأمن الاقتصادي لم يعد يقتصر على تحقيق النمو ورفع مستويات الدخل، بل أصبح يشمل القدرة على تأمين الغذاء والدواء والتكنولوجيا والطاقة والخدمات اللوجستية والحفاظ على استمرارية الإنتاج في أوقات الأزمات.

والدرس الأهم الذي أفرزته هذه التطورات يتمثل في أن القوة المالية وحدها لم تعد كافية لضمان الأمن الاقتصادي. فالدول التي لا تمتلك قاعدة إنتاجية وقدرات صناعية وتقنية محلية تبقى أكثر عرضة للصدمات الخارجية مهما بلغت ثرواتها.

وفي هذا السياق، تمتلك شبه الجزيرة العربية مقومات استثنائية قلما اجتمعت في منطقة واحدة. فاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي تنتج نحو 2.3 تريليون دولار سنوياً، ويعيش فيها أكثر من 61 مليون نسمة، في حين تجاوزت صادراتها السلعية 850 مليار دولار خلال عام 2024، وتقترب أصول صناديقها السيادية من خمسة تريليونات دولار. كما تمتلك المنطقة نحو ثلث احتياطيات النفط العالمية ونحو خمس احتياطيات الغاز الطبيعي، إضافة إلى موقع جغرافي يربط أهم طرق التجارة والطاقة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.

لكن امتلاك الثروة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة. فالسؤال الذي سيحدد مكانة المنطقة خلال العقود المقبلة ليس حجم الموارد التي تمتلكها، بل مدى قدرتها على تحويل تلك الموارد إلى اقتصاد منتج قادر على المنافسة والابتكار والاستمرار.

من اقتصاد الثروة إلى اقتصاد القدرة

الثروة مورد، أما القدرة فهي منظومة متكاملة.

فالثروة قد تأتي من مورد طبيعي أو ظرف اقتصادي مواتٍ، أما القدرة فهي نتاج استثمار طويل الأجل في الإنسان والمعرفة والمؤسسات والإنتاج. وهي القدرة على تحويل رأس المال والطاقة والموارد الطبيعية إلى قيمة مضافة مستدامة، وتحويل المعرفة إلى منتجات، والمنتجات إلى صادرات، والصادرات إلى قوة اقتصادية قادرة على خلق الثروة جيلاً بعد جيل.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام شبه الجزيرة العربية لا يتمثل في كيفية إدارة الثروة التي تمتلكها اليوم، بل في كيفية بناء القدرة التي تضمن استمرار هذه الثروة غداً.

ورغم القوة المالية الهائلة التي تتمتع بها المنطقة، لا تزال أجزاء مهمة من احتياجاتها الصناعية والتقنية والغذائية والدوائية تعتمد على الواردات الخارجية. وتقترب الواردات السلعية الخليجية من 740 مليار دولار سنوياً، وهو ما يعكس ليس فقط حجم الطلب المحلي، بل أيضاً حجم الفرص الإنتاجية التي ما زالت متاحة أمام الصناعات الإقليمية.

ولا يعني ذلك أن المنطقة مطالبة بإنتاج كل ما تستورده، بل ببناء قاعدة إنتاجية ذكية في القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة والأهمية الاستراتيجية. فحتى إحلال جزء محدود من الواردات عبر صناعات تنافسية قادر على خلق عشرات المليارات من الدولارات من القيمة المضافة، وتوفير مئات الآلاف من الوظائف النوعية، وتعزيز مرونة الاقتصادات الوطنية في مواجهة الصدمات العالمية.

التكامل الاقتصادي: من الجغرافيا إلى القوة الإنتاجية

تمتلك شبه الجزيرة العربية فرصة نادرة تتمثل في اجتماع الطاقة ورأس المال والأسواق والبنية التحتية والموقع الجغرافي ضمن نطاق اقتصادي واحد.

لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع القوة. فالموانئ والممرات البحرية والمواقع الاستراتيجية تظل مزايا كامنة ما لم تتحول إلى نشاط اقتصادي منتج. والقيمة الحقيقية للموقع الجغرافي لا تكمن في مرور التجارة عبره، بل في إنتاج ما يتم تداوله عبر تلك التجارة.

ومن هنا فإن الهدف من التكامل الاقتصادي لا ينبغي أن يقتصر على زيادة التجارة البينية، بل يجب أن يمتد إلى بناء سلاسل قيمة إقليمية متكاملة في الصناعة والتقنية والخدمات اللوجستية والطاقة والاقتصاد الرقمي.

فكل مصنع جديد، وكل شبكة إمداد مترابطة، وكل مشروع صناعي مشترك، يضيف طبقة جديدة من القوة الاقتصادية. كما أن الأسواق الكبيرة والمتكاملة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وأكثر جاذبية للشركات العالمية الباحثة عن قواعد إنتاج مستقرة وواسعة النطاق.

إن التكامل الاقتصادي ليس هدفاً سياسياً بقدر ما هو أداة لبناء القدرة الإنتاجية وتحويل المزايا الطبيعية إلى قوة اقتصادية مستدامة.

لماذا السعودية؟

تؤكد التجارب الاقتصادية أن المشروعات الإقليمية الكبرى تحتاج إلى اقتصاد محوري قادر على توفير الحجم والزخم اللازمين للانطلاق.

وفي هذا السياق، تبدو المملكة العربية السعودية المرشح الطبيعي لقيادة مشروع التحول الاقتصادي لشبه الجزيرة العربية. فإلى جانب كونها أكبر اقتصاد عربي وأكبر سوق استهلاكي في المنطقة، تمتلك المملكة أكبر قاعدة صناعية وأوسع برامج الاستثمار والتحول الاقتصادي، إضافة إلى موقع جغرافي يربط الخليج العربي بالبحر الأحمر ويضعها في قلب حركة التجارة العالمية.

كما تمثل رؤية السعودية 2030 أحد أكبر برامج التحول الاقتصادي في العالم، مع استثمارات مخطط لها تتجاوز عدة تريليونات من الدولارات في الصناعة والتعدين والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والتقنيات المتقدمة.

ولا يعني ذلك أن المشروع مشروع دولة واحدة، بل مشروع تكامل تشارك فيه جميع دول شبه الجزيرة العربية وفق مزاياها.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الجريدة

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الجريدة

منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 39 دقيقة
منذ 5 ساعات
صحيفة الأنباء الكويتية منذ ساعة
صحيفة الوطن الكويتية منذ ساعة
صحيفة الراي منذ 13 ساعة
كويت نيوز منذ 3 ساعات
صحيفة القبس منذ 23 ساعة
صحيفة الأنباء الكويتية منذ 12 ساعة
صحيفة الراي منذ 5 ساعات
صحيفة القبس منذ 17 ساعة