في خضم الاهتمام الواسع الذي تثيره مباريات كرة القدم، خاصة خلال المنافسات الكبرى التي يخوضها المنتخب الوطني، على غرار نهائيات كأس العالم 2026، يبرز أشخاص يختارون عدم متابعة المباريات أو الانخراط في أجواء الفرجة الجماعية المصاحبة لها، رغم الزخم العاطفي والاجتماعي الذي يرافق هذه المناسبات.
وبينما يُنظر إلى هذا السلوك أحيانا باعتباره خروجا عن المألوف داخل مجتمع تحظى فيه كرة القدم بمكانة خاصة، يرى مختصون أن هذه الفئة تفتح الباب أمام مقاربات نفسية واجتماعية لفهم أسباب ضعف انجذاب بعض الأفراد إلى الظواهر الرياضية الجماهيرية، وتفضيلهم اهتمامات وأنماط تفاعل أخرى مع محيطهم.
إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال إن “التفاعل الجماهيري مع مباريات كرة القدم، وخاصة أثناء المنافسات الكبرى، يشكل ظاهرة سيكولوجية واجتماعية بالغة التعقيد، وفي خضم هذه ‘الهستيريا الجماعية’ المشروعة، تبرز فئة من الأفراد تختار العزلة الإرادية وعدم الاكتراث”، موضحا أن “من منظور علم النفس الإكلينيكي، لا يُفهم هذا السلوك كنوع من التبلد الوجداني أو الانعزال المرضي، بل كاستجابة تكيفية تعكس اختلافات جوهرية في البنية المعرفية والانفعالية للفرد”.
وأوضح الحسناوي، في تصريح لهسبريس، أن “التجمعات الكروية تُظهر نموذجا كلاسيكيا لما يُعرف بـ’دينامية الجماعة’، حيث يميل الأفراد إلى تبني مشاعر وسلوكيات الأغلبية لتأكيد الانتماء، ومن منظور إكلينيكي، يتمتع الأشخاص الذين يقاطعون هذه الطقوس بدرجة عالية من ‘الاستقلال المعرفي'”، مضيفا أن “رفض الانخراط في ظاهرة ‘العدوى الانفعالية (Contagion émotionnelle)’ يمثل ميكانيزما لا واعيا لحماية الهوية الفردية من الذوبان في الحشد، حيث يقاوم الفرد الضغط السيكولوجي للجماعة للحفاظ على تفرده”.
من ناحية أخرى، أشار الأخصائي ذاته إلى أن “كيمياء الدماغ تلعب دورا حاسما في تفسير هذا التباين السلوكي”، موضحا أن “الإثارة الكروية ترتكز على إفراز مكثف للناقلات العصبية، وتحديدا الدوبامين، استجابة للمفاجأة وتوقع المكافأة، وفي المقابل تختلف عتبة الاستثارة العصبية لدى الفئة غير المهتمة”، مشددا على أن “أدمغة هؤلاء الأشخاص قد لا تُترجم قذف الكرة نحو الشباك إلى ‘محفز مجزٍ’، كما أن نظام المكافأة لديهم مهيأ سيكولوجيا للاستجابة لأنماط أخرى من المحفزات التي تتطلب إنجازا شخصيا أو تحكما ذاتيا، بعيدا عن الاستثارة الخارجية التي لا يملكون السيطرة عليها”.
وأضاف إبراهيم الحسناوي أن “المباريات الحاسمة تتسم بتقلبات عاطفية حادة تتراوح بين النشوة القصوى والإحباط العميق، وترافقها محفزات بصرية وسمعية مكثفة”، شارحا أنه “بالنسبة للأفراد الذين يتميزون بـ’حساسية المعالجة الحسية’، يُشكل هذا المحيط الصاخب عبئا حسيا وعاطفيا مفرطا، واستنادا إلى نظريات التنظيم الانفعالي، يُعد قرار تجنب المشاهدة استراتيجية وقائية وتصرفا واعيا أو شبه واع لحماية التوازن الداخلي، وتجنب استنزاف الموارد المعرفية في بيئة مشبعة بالتوتر”.
وفي السياق المجتمعي الذي يربط كرة القدم بالانتماء، أفاد الحسناوي بأن “الفرد غير المهتم يواجه ضغوطا تصيغها التوقعات الجمعية، مما قد يعرضه لنوع من ‘الوصمة’ اللطيفة أو المساءلة المستمرة، ومن الناحية الإكلينيكية، يُفَعِّل هؤلاء الأفراد استراتيجيات تأقلم للتعامل مع الشعور المؤقت بالإقصاء الاجتماعي، وغالبا ما تتجه هذه الاستراتيجيات نحو التمركز حول الذات بشكل إيجابي، كاستغلال الهدوء والمساحات الفارغة لتحقيق السكينة، مما يعزز.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
