في مقالتي السابقة تحدثت عن الموشح الأندلسي وضربته مثلاً للأعمال المرموقة التي أسهم بها الأشقاء المغاربة ومنهم الأندلسيون في الثقافة العربية، وأعطيت المقالة عنواناً عبَّرت فيه عن المصدر الذي انطلق منه الموشح، والطريق الذي سلكه ليصل إلى حيث احتل مكانه إلى جانب الأعمال التي تبدأ طريقها من المشرق وتشكل مع أعمال المغاربة ثقافتنا العربية التي يشارك في إبداعها كل من ينتمي لها.
نعم، كل من ينطق بالعربية ويفكر ويعبر بها يعطيها بقدر ما يأخذ منها.
وهو يرسل ويستقبل في آن واحد كما هي الحال في كل اللغات وفي كل الثقافات. وهذا ما أردت أن أعبّر عنه في عنوان المقالة الذي وضعته هكذا: «الموشح... من المغرب إلى المشرق». وهو عنوان يشير بلفظه إلى طريق واحد، لكنه يعني الطريقين معاً، فما دام الإبداع يكتسب في كل طريق يسلكه قيمة جديدة ويعود بها إلى حيث بدأ، وبهذا تنمو الثقافة القومية وتتوحد وتزدهر، فبوسعنا أن نتحدث عن الموشح في الطريق الآخر وأن نكتب تحت هذا العنوان: «الموشح... من المشرق إلى المغرب».
***
وأول ما أبدأ به حديثي في مقالة اليوم أن أذكّر بما قدمته في المقالة السابقة عن الدور البنَّاء الذي أداه الشاعر المصري ابن سناء المُلك الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي وفي العقد الأول من القرن الذي تلاه، وعاصر صلاح الدين الأيوبي، كما عاصر عدداً من كبار الشعراء والوشاحين المغاربة والأندلسيين، ومنهم من سبقه ببضعة عقود كابن بقي، والأعمى التطيلي، ومنهم من ظهر بعده بأكثر من قرنين كلسان الدين بن الخطيب. لكننا نقرأ موشحات ابن سناء الملك وننظر في تواريخ حياته فلا ندري كيف استطاع أن يطلع على هذا الفن الذي سبقوا به، وهو الموشح، دون أن يعرفهم معرفة مباشرة. لم يعش معهم، ولم يزر بلادهم، كما أنهم بالمثل لم يعرفوه، فكيف وصل إليه الموشح بالصورة التي مكّنته من أن يكون فيه ناظماً مبدعاً لا مجرد ناقل أو مقلد، بل مكّنته من أن يقدم للموشح ما لم يقدمه مبدعوه الأوائل، وهو الكشف عن شكله وتركيبه وإظهار خصائصه وتحديـد قواعده. وهذا ما يشير إليه الدكتور جودت الركابي الذي حقَّق كتاب ابن سناء الملك «دار الطراز في عمل الموشحات»، فيقول في مقدمته التي كتبها: «ولعل ابن سناء الملك هو أول من قام بهذه المهمة فحاول في هذا الكتاب الذي ننشره أن يحدد قواعد هذا الفن الشعري ويبين خصائصه وطرق نظمه وأوزانه، فكان بذلك الشاعر الأول المنظم لقواعد الموشح في المشرق كما في المغرب».
وعن طريق ابن سناء الملك تعرّف شعراء المشرق على الموشح، ومنهم في مصر ابن قلاقس الإسكندري، وابن مماتي، وابن وزير، وابن المنجم... ومن شعراء الشام السراج عمر بن مسعود الكناني الحلبي، وأحمد بن حسن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
