سلطت أضواء كثيرة على سمير بلفقيه، القيادي الأنيق في حزب الأصالة والمعاصرة، البعيد عن المشاكل، القريب من العمق الفكري للسياسة بشكلها النبيل(..)، لكن الكثير من التغطيات الإعلامية أهملت الجزء الكبير من آخر مداخلاته داخل المعرض الدولي للكتاب والنشر بالرباط، خاصة الجزء الذي تحدث فيه عن ثنائية السياسي والتكنوقراط، على هامش تقديم كتابه الصادر تحت عنوان: تخليق الحياة السياسية.. أصل الحكاية .
وبغض النظر عن كون بلفقيه تم الاعتماد عليه سابقا في أوراق رسمية لحزب الأصالة والمعاصرة، وتقارير حزبية كبيرة لمواكبة سياسة الدولة(..)، فقد كان لافتا للانتباه ما صرح به بشكل عميق عن عجز المنظومة التعليمية المؤدي لضعف الوعي ..
يقول بلفقيه: ((تعد ثنائية السياسي والتكنوقراطي من أعقد الإشكالات في التجربة الديمقراطية المغربية وفي تدبير الشأن العام، وهي ليست وليدة اليوم، بل نتيجة مقومات بنيوية داخل النظام السياسي.
إن العجز في المنظومة التعليمية وما ينتج عنه من ضعف الوعي والمعرفة، يهدد بإفراغ الممارسة الديمقراطية من مضمونها، لأن المنتخبين يعكسون مستوى المجتمع.. فأغلبهم محدودو التكوين، ما يصعّب عليهم بلورة سياسات عمومية مبتكرة قادرة على مواجهة التحديات الوطنية.. وفي المقابل، لا يمكن لمغرب تقوده ملكية تتحمل مسؤولية تاريخية ممتدة، أن يظل أسير الحسابات الحزبية القصيرة الأمد)).
وفي مجال الأمثلة، يقول القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، والذي يمثل واحدا من رموز التأسيس والشرعية(..): ((مثّل تعيين التكنوقراطي إدريس جطو على رأس الحكومة سنة 2002، مثالا دالّا، خاصة بعد مرحلة التناوب التي كانت مفيدة سياسيا، لكنها لم تكن كافية لتسريع التنمية، حيث أصبحت النجاعة والفعالية عنوان المرحلة.. ومنذ ذلك الحين، سعى المغرب إلى التوفيق بين عنصرين:
1) الحفاظ على المسار الديمقراطي بوصفه خيارا استراتيجيا؛
2) تسريع وتيرة التنمية البشرية والمجالية، لمواجهة التأخر المتراكم.
ولهذا، عرف تدبير الحكومات حضورا مزدوجا للسياسيين والتكنوقراط، وأحيانا يُستقطب التكنوقراط داخل الأحزاب للاستفادة من الخبرة دون إفراغ السياسة من مضمونها، غير أن هذا الاستقطاب يتم أحيانا بشكل متسرع يثير أسئلة عميقة)).
المصدر نفسه يؤكد أن ((الرهان ليس إلغاء الثنائية، بل منع تحولها إلى تناقض أو تداخل مُربك؛ فالعمل السياسي يقوم على الاستمرارية، البناء، روح الفريق، القرب من المجتمع، والمساءلة، بينما يرتكز العمل التكنوقراطي إذا انفصل عن السياسة على الآنية، الشخصنة، والفردانية.
إن الإفراط في الروح التكنوقراطية قد يفرغ الأحزاب من محتواها ويحولها إلى هياكل (ضخمة الرأس ضعيفة، تُدار من قبل نخب محدودة لا تؤمن بمنطق الأطراف) الذكاء الجماعي والمشروع المجتمعي والديمقراطية الداخلية.. كما أن الإفراط في الاعتماد على التكنوقراط دون سند سياسي، باستثناء وزارات السيادة، قد يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها، ويهدد جوهر الديمقراطية التمثيلية، ويُضعف قيم الالتزام والانتماء، ويؤثر على جودة النخب السياسية.. وفي الوقت نفسه، فإن تهميش الكفاءات غير المنتمية حزبيا قد يضر بالصالح العام؛ فالحكامة الجيدة والتدبير العمومي الجديد يدعوان إلى الاستفادة من بعض أساليب القطاع الخاص دون تحويل النفاذ إلى المسؤولية إلى ريع سياسي يُوزع على أساس الولاء.. وتكمن الحلول في توليفة تقوم على تسييس الكفاءات التقنية لا تكنوقرطة الفعل السياسي، أي معادلة تكامل لا إقصاء.. وتُعد هيئات مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي نموذجا ممكنا لهذا التصور))، الكلام دون زيادة أو نقصان للتأمل.
في النهاية، يقدم سمير بلفقيه في مؤلفه التخليق من أجل التعبئة: منعطف سياسي حاسم للمغرب، قراءة تحليلية معمّقة في إشكاليات الحكامة، والثقة المؤسساتية، والمشاركة السياسية في السياق المغربي المعاصر، وينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها أن الصعوبات المتزايدة في تعبئة المواطنين حول المشاريع السياسية والتنموية، لا ترجع فقط إلى عوامل اقتصادية أو مؤسساتية، بل تعكس في جوهرها أزمة أخلاقية تمس الفعل العمومي ذاته.
ويدافع المؤلف عن فكرة أساسية مؤداها أن تخليق الحياة السياسية والإدارية لا يشكل ترفا معياريا أو خطابا أخلاقيا تجريديا، بل يُعد رافعة استراتيجية حاسمة لإعادة بناء الشرعية السياسية.. ومن خلال تحليل هادئ ومتوازن، يقيم الكتاب علاقة عضوية بين تراجع قيم المسؤولية والنزاهة والمساءلة، وبين ضعف التعبئة المواطناتية، سواء على مستوى المشاركة الانتخابية، أو الانخراط المدني، أو التفاعل الإيجابي مع السياسات العمومية.
وتكمن القيمة المضافة الأساسية لهذا العمل، في قدرته على الربط المنهجي بين الأخلاق والاستراتيجية السياسية، إذ يتجاوز سمير بلفقيه المقاربة الوعظية للأخلاق، ليطرحها كأداة للفعل العمومي وشرط لإعادة ترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، ويبرز بوضوح أن غياب المصداقية الأخلاقية لدى النخب السياسية والإدارية، يجعل كل محاولة للتعبئة الوطنية عرضة للهشاشة ومحدودة الأثر.
من الناحية المنهجية، يعتمد الكتاب مقاربة تحليلية تستند إلى قراءة معمّقة للواقع السياسي والمؤسساتي المغربي، مع استحضار ديناميات الإصلاح والتحولات التي يشهدها النظام السياسي، كما يتميّز الأسلوب بالوضوح والدقة، ما يجعل الكتاب موجها إلى قارئ متخصص دون الوقوع في التعقيد المفاهيمي أو التبسيط المخل، ويتسم الطرح بنَفَس نقدي بنّاء، بعيد عن السجال أو الخطاب الاتهامي.
ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى أن العمل كان سيستفيد أكثر من تعزيز بعده الإمبريقي، من خلال إدراج معطيات كمية، أو أمثلة تطبيقية، أو مقارنات دولية، بما من شأنه توسيع أفق التحليل وتعزيز قيمته الأكاديمية، غير أن هذه الملاحظة لا تقلّل من متانة الأطروحة العامة ولا من انسجام البناء الفكري للكتاب.
خلاصة القول، يشكّل كتاب التخليق من أجل التعبئة إسهاما فكريا وازنا في النقاش العمومي حول مستقبل الحكامة السياسية بالمغرب، وهو موجّه بالأساس إلى صناع القرار، والفاعلين السياسيين، والباحثين الجامعيين، وطلبة العلوم السياسية والاجتماعية، ويدعو المؤلف من خلاله إلى إعادة التفكير في أسس الفعل العمومي، بوضع الأخلاق في صلب المشروع السياسي لا باعتبارها غاية في ذاتها، بل شرطا لازما لتحقيق التعبئة الوطنية والتنمية المستدامة.
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي
